و ختم الآية بقوله:"إن ذلك على الله يسير"للدلالة على أن تقدير الحوادث قبل وقوعها والقضاء عليها بقضاء لا يتغير لا صعوبة فيه عليه تعالى.
قوله تعالى:"لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم"إلخ ، تعليل راجع إلى الآية السابقة وهو تعليل للإخبار عن كتابة الحوادث قبل وقوعها لا لنفس الكتابة ، والأسى الحزن ، والمراد بما فات وما آتى النعمة الفائتة والنعمة المؤتاة.
والمعنى: أخبرناكم بكتابة الحوادث قبل حدوثها وتحققها لئلا تحزنوا بما فاتكم من النعم ولا تفرحوا بما أعطاكم الله منها لأن الإنسان إذا أيقن أن الذي أصابه مقدر كائن لا محالة لم يكن ليخطئه وأن ما أوتيه من النعم وديعة عنده إلى أجل مسمى لم يعظم حزنه إذا فاته ولا فرحه إذا أوتيه.
قيل: إن اختلاف الإسناد في قوليه:"ما فاتكم"و"ما آتاكم"حيث أسند الفوت إلى نفس الأشياء والإيتاء إلى الله سبحانه لأن الفوات والعدم ذاتي للأشياء فلو خليت ونفسها لم تبق بخلاف حصولها وبقائها فإنه لا بد من استنادهما إلى الله تعالى.
وقوله:"و الله لا يحب كل مختال فخور"المختال من أخذته الخيلاء وهي التكبر عن تخيل فضيلة تراءت له من نفسه - على ما ذكره الراغب - والفخور الكثير الفخر والمباهاة والاختيال والفخر ناشئان عن توهم الإنسان أنه يملك ما أوتيه من النعم باستحقاق من نفسه ، وهو مخالف لما هو الحق من استناد ذلك إلى تقدير من الله لا لاستقلال من نفس الإنسان فهما من الرذائل والله لا يحبها.
قوله تعالى:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل"وصف لكل مختال فخور يفيد تعليل عدم حبه تعالى.
والوجه في بخلهم الاحتفاظ للمال الذي يعتمد عليه اختيالهم وفخرهم والوجه في أمرهم الناس بالبخل أنهم يحبونه لأنفسهم فيحبونه لغيرهم ، ولأن شيوع السخاء والجود بين الناس وإقبالهم على الإنفاق في سبيل الله يوجب أن يعرفوا بالبخل المذموم.
وقوله:"و من يتول فإن الله هو الغني الحميد"أي ومن يعرض عن الإنفاق ولم يتعظ بعظة الله ولا اطمأن قلبه بما بينه من صفات الدنيا ونعت الجنة وتقدير الأمور فإن الله هو الغني فلا حاجة له إلى إنفاقهم ، والمحمود في أفعاله.
والآيات الثلاث أعني قوله:"و ما أصاب من مصيبة - إلى قوله - الغني الحميد"كما ترى حث على الإنفاق وردع عن البخل والإمساك بتزهيدهم عن الأسى بما فاتهم والفرح بما آتاهم لأن الأمور مقدرة مقضية مكتوبة في كتاب معينة قبل أن يبرأها الله سبحانه.
في الدر المنثور ،: في قوله تعالى:"أ لم يأن"الآية: أخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من الجهد فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا فنزلت:"أ لم يأن للذين آمنوا".
أقول: هذه أعدل الروايات في نزول السورة وهناك رواية عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه"أ لم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"إلا أربع سنين ، وظاهره كون السورة مكية ، وفي معناه ما ورد أن عمر آمن بعد نزول هذه السورة وقد عرفت أن سياق آيات السورة تأبى إلا أن تكون مدنية ، ويمكن حمل رواية ابن مسعود على كون آية"أ لم يأن"إلخ ، أو هي والتي تتلوها مما نزل بمكة دون باقي آيات السورة.
وفي رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن فأنزل الله"أ لم يأن"الآية ، ولازمه نزول السورة سنة أربع أو خمس من الهجرة ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال:"أ لم يأن"إلخ ، ولازمه نزول السورة أيام الهجرة ، والروايتان أيضا لا تلائمان سياق آياتها.
وفيه ، أخرج ابن جرير عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: مؤمنوا أمتي شهداء ، ثم تلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"و الذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون - والشهداء عند ربهم".
وفي تفسير العياشي ، بإسناده عن منهال القصاب قال: لأبي عبد الله (عليه السلام) : ادع الله أن يرزقني الشهادة فقال: إن المؤمن شهيد وقرأ هذه الآية.