و يظهر به عدم استقامة ما قيل: إن آية آل عمران في السابقين المقربين والآية التي نحن فيها في عامة المؤمنين حيث لم يذكر فيها إلا الإيمان بالله ورسله بخلاف آية آل عمران فإنها مذيلة بجملة الأعمال الصالحة ، ولذا أيضا وصف الجنة الموعودة هناك بقوله:"عرضها السماوات والأرض"بخلاف ما هاهنا حيث قيل:"عرضها كعرض السماء والأرض"فدل على أن جنة أولئك أوسع من جنة هؤلاء.
وجه عدم الاستقامة ما عرفت أن المكلف به في الآية المبحوث عنها معنى فوق ما كلف به في آية آل عمران.
على أن اللام في"السماء"للجنس فتنطبق على"السماوات"في تلك الآية.
وتقديم المغفرة على الجنة في الآية لأن الحياة في الجنة حياة طاهرة في عالم الطهارة فيتوقف التلبس بها على زوال قذارات الذنوب وأوساخها.
والمراد بالعرض السعة دون العرض المقابل للطول وهو معنى شائع ، والكلام كأنه مسوق للدلالة على انتهائها في السعة.
وقيل: المراد بالعرض ما يقابل الطول والاقتصار على ذكر العرض أبلغ من ذكر الطول معه فإن العرض أقصر الامتدادين وإذا كان كعرض السماء والأرض كان طولها أكثر من طولهما.
ولا يخلو الوجه من تحكم إذ لا دليل على مساواة طول السماء والأرض لعرضهما ثم على زيادة طول الجنة على عرضها حتى يلزم زيادة طول الجنة على طولهما والطول قد يساوي العرض كما في المربع والدائرة وسطح الكرة وغيرها وقد يزيد عليه.
وقوله:"أعدت للذين آمنوا بالله ورسله"قد عرفت في ذيل قوله:"آمنوا بالله ورسله"وقوله:"و الذين آمنوا بالله ورسله"أن المراد بالإيمان بالله ورسله هو مرتبة عالية من الإيمان تلازم ترتب آثاره عليه من الأعمال الصالحة واجتناب الفسوق والإثم.
وبذلك يظهر أن قول بعضهم: إن في الآية بشارة لعامة المؤمنين حيث قال:"أعدت للذين آمنوا بالله ورسله"ولم يقيد الإيمان بشيء من العمل الصالح ونحوه غير سديد فإن خطاب الآية وإن كان بظاهر لفظه يعم الكافر والمؤمن الصالح والطالح لكن وجه الكلام إلى المؤمنين يدعوهم إلى الإيمان الذي يصاحب العمل الصالح ، ولو كان المراد بالإيمان بالله ورسله مجرد الإيمان ولو لم يصاحبه عمل صالح وكانت الجنة معدة لهم والآية تدعو إلى السباق إلى المغفرة والجنة كان خطاب"سابقوا"متوجها إلى الكفار فإن المؤمنين قد سبقوا وسياق الآيات يأباه.
وقوله:"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"وقد شاء أن يؤتيه الذين آمنوا بالله ورسله ، وقد تقدم بيان أن ما يؤتيه الله من الأجر لعباده المؤمنين فضل منه تعالى من غير أن يستحقوه عليه.
وقوله:"و الله ذو الفضل العظيم"إشارة إلى عظمة فضله ، وأن ما يثيبهم به من المغفرة والجنة من عظيم فضله.
قوله تعالى:"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها"إلخ ، المصيبة الواقعة التي تصيب الشيء مأخوذة من إصابة السهم الغرض وهي بحسب المفهوم أعم من الخير والشر لكن غلب استعمالها في الشر فالمصيبة هي النائبة ، والمصيبة التي تصيب في الأرض كالجدب وعاهة الثمار والزلزلة المخربة ونحوها ، والتي تصيب في الأنفس كالمرض والجرح والكسر والقتل والموت ، والبرء والبروء الخلق من العدم ، وضمير"نبرأها"للمصيبة ، وقيل: للأنفس ، وقيل: للأرض ، وقيل: للجميع من الأرض والأنفس والمصيبة ، ويؤيد الأول أن المقام مقام بيان ما في الدنيا من المصائب الموجبة لنقص الأموال والأنفس التي تدعوهم إلى الإمساك عن الإنفاق والتخلف عن الجهاد.
والمراد بالكتاب اللوح المكتوب فيه ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة كما تدل عليه الآيات والروايات وإنما اقتصر على ذكر ما يصيب في الأرض وفي أنفسهم من المصائب لكون الكلام فيها.
قيل: إنما قيد المصيبة بما في الأرض وفي الأنفس لأن مطلق المصائب غير مكتوبة في اللوح لأن اللوح متناه والحوادث غير متناهية ولا يكون المتناهي ظرفا لغير المتناهي.
والكلام مبني على أن المراد باللوح لوح فلزي أو نحوه منصوب في ناحية من نواحي الجو مكتوب فيه الحوادث بلغة من لغاتنا بخط يشبه خطوطنا ، وقد مر كلام في معنى اللوح والقلم وسيجيء له تتمة.
وقيل: المراد بالكتاب علمه تعالى وهو خلاف الظاهر إلا أن يراد به أن الكتاب المكتوب فيه الحوادث من مراتب علمه الفعلي.