3 سورة آل عمران - 79 - 80
مَا كانَ لِبَشرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَب وَالْحُكْمَ وَالنّبُوّةَ ثُمّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبَادًا لى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبّنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتّخِذُوا المَْلَئكَةَ وَالنّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَ يَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مّسلِمُونَ (80)
وقوع الآيات عقيب الآيات المرتبطة بأمر عيسى (عليه السلام) يفيد أنها بمنزلة الفصل الثاني من الاحتجاج على براءة ساحة المسيح مما يعتقده في حقه أهل الكتاب من النصارى ، والكلام بمنزلة قولنا: إنه ليس كما تزعمون فلا هو رب ولا أنه ادعى لنفسه الربوبية: أما الأول: فلأنه مخلوق بشري حملته أمه ووضعته وربته في المهد غير أنه لا أب له كآدم (عليه السلام) فمثله عند الله كمثل آدم ، وأما الثاني: فلأنه كان نبيا أوتي الكتاب والحكم والنبوة والنبي الذي هذا شأنه لا يعدو طور العبودية ولا يتعرى عن زي الرقية فكيف يتأتى أن يقول للناس اتخذوني ربا وكونوا عبادا لي من دون الله ، أو يجوز ذلك في حق غيره من عباد الله من ملك أو نبي فيعطي لعبد من عباد الله ما ليس له بحق ، أو ينفي عن نبي من الأنبياء ما أثبت الله في حقه من الرسالة فيأخذ منه ما هو له من الحق.
قوله تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ، البشر مرادف للإنسان ، ويطلق على الواحد والكثير فالإنسان الواحد بشر كما أن الجماعة منه بشر.
وقوله: ما كان لبشر ، اللام للملك أي لا يملك ذلك أي ليس له بحق كقوله تعالى:"ما يكون لنا أن نتكلم بهذا": النور - 16 ، وقوله:"و ما كان لنبي أن يغل": آل عمران - 161.
وقوله تعالى: أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ، اسم كان إلا أنه توطئة لما يتبعه من قوله: ثم يقول للناس ، وذكر هذه التوطئة مع صحة المعنى بدونها ظاهرا يفيد وجها آخر لمعنى قوله ما كان لبشر ، فإنه لو قيل ما كان لبشر أن يقول للناس ، كان معناه أنه لم يشرع له هذا الحق وإن أمكن أن يقول ذلك فسقا وعتوا ، ولكنه إذا قيل: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ، ثم يقول: كان معناه أن إيتاء الله له العلم والفقه مما عنده وتربيته له بتربية ربانية لا يدعه أن يعدو طور العبودية ، ولا يوسع له أن يتصرف فيما لا يملكه ولا يحق له كما يحكيه تعالى عن عيسى (عليه السلام) في قوله:"و إذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق": المائدة - 116.
ومن هنا تظهر النكتة في قوله: أن يؤتيه الله"الخ"دون أن يقال: ما كان لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول"الخ"فإن العبارة الثانية تفيد معنى أصل التشريع كما تقدم بخلاف قوله: أن يؤتيه الله"الخ"فإنه يفيد أن ذلك غير ممكن البتة أي إن التربية الربانية والهداية الإلهية لا تتخلف عن مقصدها كما قال تعالى:"أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء يعني قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين": الأنعام - 89.
فمحصل المعنى أنه لا يسع لبشر أن يجمع بين هذه النعم الإلهية وبين دعوة الناس إلى عبادة نفسه بأن يؤتى الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ، فالآية بحسب السياق بوجه كقوله تعالى:"لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون - إلى أن قال -: وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا": النساء - 173 ، فإن المستفاد من الآية: أن المسيح وكذا الملائكة المقربون أجل شأنا وأرفع قدرا أن يستنكفوا عن عبادة الله فإن الاستنكاف عن عبادته يستوجب أليم العذاب ، وحاشا أن يعذب الله كرام أنبيائه ومقربي ملائكته.
فإن قلت: الإتيان بثم الدالة على التراخي في قوله: ثم يقول للناس ، ينافي الجمع الذي ذكرته.