فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 4314

قلت: ما ذكرناه من معنى الجمع محصل المعنى ، وكما يصح اعتبار الاجتماع والمعية بين المتحدين زمانا كذلك يصح اعتباره بين المترتبين والمتتاليين فهو نوع من الجمع.

وأما قوله: كونوا عبادا لي من دون الله ، فالعباد كالعبيد جمع عبد ، والفرق بينهما أن العباد يغلب استعماله فيما إذا نسب إلى الله سبحانه ، يقال: عباد الله ، ولا يقال: غالبا عباد الناس ، بل عبيد الناس وتقييد قوله: عبادا لي بقوله: من دون الله تقييد قهري فإن الله سبحانه لا يقبل من العبادة إلا ما هو خالص لوجهه الكريم كما قال تعالى:"ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار": الزمر - 3 ، فرد عبادة من يعبد مع عبادته غيره حتى بعنوان التقرب والتوسل والاستشفاع.

على أن حقيقة العبادة لا تتحقق إلا مع إعطاء استقلال ما للمعبود حتى في صورة الإشراك فإن الشريك من حيث إنه شريك مساهم ذو استقلال ما ، والله سبحانه له الربوبية المطلقة فلا يتم ربوبيته ولا تستقيم عبادته إلا مع نفي الاستقلال عن كل شيء من كل جهة فعبادة غير الله عبادة له من دون الله وإن عبد الله معه.

قوله تعالى: ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون الرباني منسوب إلى الرب ، زيد عليه الألف والنون للدلالة على التفخيم كما يقال لحياني لكثير اللحية ونحو ذلك ، فمعنى الرباني شديد الاختصاص بالرب وكثير الاشتغال بعبوديته وعبادته ، والباء في قوله: بما كنتم ، للسببية وما مصدرية ، والكلام بتقدير القول والمعنى ، ولكن يقول: كونوا ربانيين بسبب تعليمكم الكتاب للناس ودراستكم إياه فيما بينكم.

والدراسة أخص من التعليم فإنه يستعمل غالبا فيما يتعلم عن الكتاب بقراءته قال الراغب: درس الدار بقي أثرها ، وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه ، فلذلك فسر الدروس بالانمحاء ، وكذا درس الكتاب ، ودرست العلم تناولت أثره بالحفظ ، لما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالحفظ ، قال تعالى: ودرسوا ما فيه ، وقال: بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ، وما آتيناهم من كتب يدرسونها انتهى.

ومحصل الكلام أن البشر الذي هذا شأنه إنما يدعوكم إلى التلبس بالإيمان واليقين بما في الكتاب الذي تعلمونه وتدرسونه من أصول المعارف الإلهية ، والاتصاف والتحقق بالملكات والأخلاق الفاضلة التي يشتمل عليها ، والعمل بالصالحات التي تدعون الناس إليها حتى تنقطعوا بذلك إلى ربكم ، وتكونوا به علماء ربانيين.

وقوله: بما كنتم ، حيث اشتمل على الماضي الدال على التحقق لا يخلو عن دلالة ما على أن الكلام في الآية مسوق للتعريض بالنصارى من أهل الكتاب في قولهم: إن عيسى أخبرهم بأنه ابنه وكلمته على الخلاف في تفسير البنوة ، وذلك أن بني إسرائيل هم الذين كان في أيديهم كتاب سماوي يعلمونه ويدرسونه وقد اختلفوا فيه اختلافا يصاحب التغيير والتحريف ، وما بعث عيسى (عليه السلام) إلا ليبين لهم بعض ما اختلفوا فيه ، وليحل بعض الذي حرم عليهم ، وبالجملة ليدعوهم إلى القيام بالواجب من وظائف التعليم والتدريس وهو أن يكونوا ربانيين في تعليمهم ودراستهم كتاب الله سبحانه.

والآية وإن لم تأب الانطباق على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بوجه فقد كانت لدعوته أيضا مساس بأهل الكتاب الذين كانوا يعلمون ويدرسون كتاب الله لكن عيسى (عليه السلام) أسبق انطباقا عليه ، وكانت رسالته خاصة ببني إسرائيل بخلاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وأما سائر الأنبياء العظام من أولي العزم والكتاب: كنوح وإبراهيم وموسى فمضمون الآية لا ينطبق عليهم وهو ظاهر.

قوله تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا عطف على قوله يقول: على القراءة المشهورة التي هي نصب يأمركم ، وهذا كما كان طائفة من أهل الكتاب كالصابئين يعبدون الملائكة ويسندون ذلك إلى الدعوة الدينية ، وكعرب الجاهلية حيث كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله ، وهم يدعون أنهم على دين إبراهيم (عليه السلام) هذا في اتخاذ الملائكة أربابا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت