فهرس الكتاب

الصفحة 3605 من 4314

40 سورة المؤمن - 1 - 6

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذّنبِ وَقَابِلِ التّوْبِ شدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يجَدِلُ في ءَايَتِ اللّهِ إِلا الّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْك تَقَلّبهُمْ في الْبِلَدِ (4) كذّبَت قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَاب مِن بَعْدِهِمْ وَهَمّت كلّ أُمّةِ بِرَسولهِِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَدَلُوا بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضوا بِهِ الحَْقّ فَأَخَذْتهُمْ فَكَيْف كانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِك حَقّت كلِمَت رَبِّك عَلى الّذِينَ كَفَرُوا أَنهُمْ أَصحَب النّارِ (6)

تتكلم السورة في استكبار الكافرين ومجادلتهم بالباطل ليدحضوا به الحق الذي يدعون إليه ولذلك نراها تذكر جدالهم وتعود إليه عودة بعد عودة"ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد""الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا""أ لم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون".

فتكسر سورة استكبارهم وجدالهم بذكر ما عاقب الله به الماضين من الأمم المكذبين وما أعد الله لهم من العذاب المهين بذكر طرف مما يجري عليهم في الآخرة.

وتدحض باطل أقاويلهم بوجوه من الحجج الناطقة بتوحده في الربوبية والألوهية وتأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر وتعده والمؤمنين به بالنصر ، وتأمرهم أن يؤذنهم أنه مسلم لربه غير تارك لعبادته فلييأسوا منه.

والسورة مكية كلها لاتصال آياتها وشهادة مضامينها بذلك ، وما قيل فيه من الآيات إنه نزل بالمدينة لا يعبأ به وسيجيء الإشارة إليها إن شاء الله.

قوله تعالى"حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم"التنزيل مصدر بمعنى المفعول فقوله:"تنزيل الكتاب"من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها والتقدير هذا كتاب منزل من الله.

وتخصيص الوصفين:"العزيز العليم"بالذكر قيل: للإشارة إلى ما في القرآن من الإعجاز وأنواع العلوم التي يضيق عنها نطاق الأفهام ، وقيل: هو من باب التفنن.

والوجه أن يقال: إن السورة لما كانت تتكلم حول جحد الجاحدين ومجادلتهم في آيات الله بالباطل جهلا وهم يحسبونه علما ويعتزون به كما حكى ذلك عنهم في خاتمة السورة بقوله:"فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم"وكما حكى عن فرعون قوله لقومه في موسى:"إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد"وقوله لهم:"ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد".

افتتح الكلام في السورة بما فيه إشارة إلى أن هذا الكتاب النازل عليهم تنزيل ممن هو عزيز على الإطلاق لا يغلبه غالب حتى يخاف على ما نزله من استعلائهم واستكبارهم بحسب أوهامهم ، عليم على الإطلاق لا يدخل علمه جهل وضلال فلا يقاوم جدالهم بالباطل ما نزله من الحق وبينه بحججه الباهرة.

ويؤيد هذا الوجه ما في الآية التالية من قوله:"غافر الذنب وقابل التوب"إلخ على ما سنبين.

قوله تعالى:"غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير"الإتيان بصيغة اسم الفاعل في"غافر الذنب وقابل التوب"- لعله - للدلالة على الاستمرار التجددي فإن المغفرة وقبول التوب من صفاته الفعلية ولا يزال تعالى يغفر الذنب ثم يغفر ويقبل التوب ثم يقبل.

وإنما عطف قابل التوب على ما قبله دون"شديد العقاب ذي الطول"لأن غافر الذنب وقابل التوب مجموعهما كصفة واحدة متعلقة بالعباد المذنبين يغفر لهم تارة بتوبة وتارة بغيرها كالشفاعة.

والعقاب والمعاقبة المؤاخذة التي تكون في عاقبة الذنب قال الراغب: والعقب والعقبى يختصان بالثواب نحو خير ثوابا وخير عقبا ، وقال تعالى:"أولئك لهم عقبى الدار ، والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب نحو والعاقبة للمتقين ، وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة نحو ثم كان عاقبة الذين أساءوا ، وقوله: فكان عاقبتهما أنهما في النار يصح أن يكون ذلك استعارة من ضده ، والعقوبة والمعاقبة والعقاب تختص بالعذاب."

انتهى.

فشديد العقاب كذي انتقام من أسماء الله الحسنى تحكي صفته تعالى في جانب العذاب كما يحكي الغفور والرحيم صفته تعالى في جانب الرحمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت