فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 4314

و بالجملة فهؤلاء يموتون بالخزي وتمكن الأعداء منهم ويبقون أمواتا ، ثم أحياهم الله بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحق فيهم ، فقاموا بحقوق أنفسهم واستقلوا في أمرهم ، وهؤلاء الذين أحياهم الله وإن كانوا بحسب الأشخاص غير الذين أماتهم الله إلا أن الجميع أمة واحدة ماتت في حين وحييت في حين بعد حين ، وقد عد الله تعالى القوم واحدا مع اختلاف الأشخاص كقوله تعالى في بني إسرائيل:"أنجيناكم من آل فرعون": الأعراف - 141 ، وقوله تعالى:"ثم بعثناكم من بعد موتكم": البقرة - 56 ، ولو لا ما ذكرناه من كون الآية مسوقا للتمثيل لم يستقم ارتباط الآية بما يتلوها من آيات القتال وهو ظاهر ، انتهى ما ذكره ملخصا.

وهذا الكلام كما ترى مبني أولا: على إنكار المعجزات وخوارق العادات أو بعضها كإحياء الموتى وقد مر إثباتها ، على أن ظهور القرآن في إثبات خرق العادة بإحياء الموتى ونحو ذلك مما لا يمكن إنكاره ولو لم يسع لنا إثبات صحته من طريق العقل.

وثانيا: على دعوى أن القرآن يدل على امتناع أكثر من حياة واحدة في الدنيا كما استدل بمثل قوله تعالى:"لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى:"الدخان - 56 ، وقوله تعالى:"أحييتنا اثنتين": المؤمن - 11.

وفيه أن جميع الآيات الدالة على إحياء الموتى كما في قصص إبراهيم وموسى وعيسى وعزير ، بحيث لا تدفع دلالتها ، يكفي في رد ما ذكره ، على أن الحياة الدنيا لا تصير بتخلل الموت حياتين كما يستفاد أحسن الاستفادة من قصة عزير ، حيث لم يتنبه لموته الممتد ، والمراد بما أورده من الآيات الدالة على نوع الحياة.

وثالثا: على أن الآية لو كانت مسوقة لبيان القصة لتعرضت لتعيين قومهم وتشخيص النبي الذي أحياهم.

وأنت تعلم أن مذاهب البلاغة مختلفة متشتتة ، والكلام كما ربما يجري مجرى الإطناب كذلك يجري مجرى الإيجاز ، وللآية نظائر في القرآن كقوله تعالى:"قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود": البروج - 7 ، وقوله تعالى:"و ممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون": الأعراف - 181.

ورابعا: على أن الآية لو لم تحمل على التمثيل لم ترتبط بما بعدها من الآيات بحسب المعنى ، وأنت تعلم أن نزول القرآن نجوما يغني عن كل تكلف بارد في ربط الآيات بعضها ببعض إلا ما كان منها ظاهر الارتباط ، بين الاتصال على ما هو شأن الكلام البليغ.

فالحق أن الآية كما هو ظاهرها مسوقة لبيان القصة ، وليت شعري أي بلاغة في أن يلقي الله سبحانه للناس كلاما لا يرى أكثر الناظرين فيه إلا أنه قصة من قصص الماضين ، وهو في الحقيقة تمثيل مبني على التخييل من غير حقيقة.

مع أن دأب كلامه تعالى على تمييز المثل عن غيره في جميع الأمثال الموضوعة فيه بنحو قوله:"مثلهم كمثل الذي": البقرة - 17 ، وقوله:"إنما مثل الحياة الدنيا": يونس - 24 ، وقوله:"مثل الذين حملوا": الجمعة - 5 ، إلى غير ذلك.

في الإحتجاج ، عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال (عليه السلام) : أحيا الله قوما خرجوا من أوطانهم هاربين من الطاعون ، لا يحصى عددهم ، فأماتهم الله دهرا طويلا حتى بليت عظامهم ، وتقطعت أوصالهم ، وصاروا ترابا ، فبعث الله في وقت أحب أن يرى خلقه نبيا يقال له: حزقيل ، فدعاهم فاجتمعت أبدانهم ، ورجعت فيها أرواحهم ، وقاموا كهيئة يوم ماتوا ، لا يفتقدون في أعدادهم رجلا فعاشوا بعد ذلك دهرا طويلا.

أقول: وروى هذا المعنى الكليني والعياشي بنحو أبسط ، وفي آخره: وفيهم نزلت هذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت