فهرس الكتاب

الصفحة 3160 من 4314

قوله تعالى:"فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون تفريع على ما تقدم من استمرار إعراضهم ، وقوله:"فسيأتيهم"إلخ تفريع على التفريع والأنباء جمع نبإ وهو الخبر الخطير ، والمعنى لما استمر منهم الإعراض عن كل ذكر يأتيهم تحقق منهم وثبت عليهم أنهم كذبوا ، وإذ تحقق منهم التكذيب فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون من آيات الله ، وتلك الأنباء العقوبات العاجلة والآجلة التي ستحيق بهم."

قوله تعالى:"أ ولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم"الاستفهام للإنكار التوبيخي والجملة معطوف على مقدر يدل عليه المقام والتقدير أصروا واستمروا على الإعراض وكذبوا بالآيات ولم ينظروا إلى هذه الأزواج الكريمة من النباتات التي أنبتناها في الأرض.

فالرؤية في قوله:"أ ولم يروا"مضمنة معنى النظر ولذا عديت بإلى ، والظاهر أن المراد بالزوج الكريم.

وهو الحسن على ما قيل: النوع من النبات وقد خلق الله سبحانه أنواعه أزواجا ، وقيل: المراد بالزوج الكريم الذي أنبته الله يعم الحيوان وخاصة الإنسان بدليل قوله:"و الله أنبتكم من الأرض نباتا".

قوله تعالى:"إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين"الإشارة بذلك إلى ما ذكر في الآية السابقة من إنبات كل زوج كريم حيث إن فيه إيجادا لكل زوج منه وتتميم نقائص كل من الزوجين بالآخر وسوقهما إلى الغاية المقصودة من وجودهما وفيه هداية كل إلى سعادته الأخيرة ومن كانت هذه سنته فكيف يهمل أمر الإنسان ولا يهديه إلى سعادته ولا يدعوه إلى ما فيه خير دنياه وآخرته.

هذا ما تدل عليه آية النبات.

وقوله:"و ما كان أكثرهم مؤمنين"أي لم يكن المترقب من حال أكثرهم بما عندهم من ملكة الإعراض وبطلان الاستعداد أن يؤمنوا فظاهر الآية نظير ظاهر قوله:"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل": يونس: 74 وتعليل الكفر والفسوق برسوخ الملكات الرذيلة واستحكام الفساد في السريرة من قبل في كلامه تعالى أكثر من أن تحصى.

ومن هنا يظهر أن قول بعضهم: إن المراد ما كان في علم الله أن لا يؤمنوا غير سديد لأنه مضافا إلى كونه خلاف المتبادر من الجملة ، مما لا دليل على أنه المراد من اللفظ بل الدليل على خلافه لسبق الدلالة على أن ملكة الإعراض راسخة لم تزل في نفوسهم.

وعن سيبويه أن"كان"في قوله:"و ما كان أكثرهم مؤمنين"صلة زائدة والمعنى: وما أكثرهم مؤمنين.

وفيه أنه معنى صحيح في نفسه لكن المقام بما تقدم من المعنى أوفق.

قوله تعالى:"و إن ربك لهو العزيز الرحيم"فهو تعالى لكونه عزيزا غير مغلوب يأخذ المعرضين عن ذكره المكذبين لآياته المستهزءين بها ويجازيهم بالعقوبات العاجلة والآجلة ، ولكونه رحيما ينزل عليهم الذكر ليهديهم ويغفر للمؤمنين به ويمهل الكافرين.

قال في روح المعاني ، في قوله تعالى"و ما كان أكثرهم مؤمنين"قيل: أي وما كان في علم الله تعالى ذلك ، واعترض - بناء على أنه يفهم من السياق العلية - بأن علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم لأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس.

ورد بأن معنى كون علمه تعالى تابعا للمعلوم أن علمه سبحانه في الأزل بمعلوم معين حادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم باعتبار أنه علم بهذه الماهية ، وأما وجود الماهية فيما لا يزال فتابع لعلمه تعالى الأزلي التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن يتحقق ويوجد فيما لا يزال كذلك فنفس موتهم على الكفر وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزلي ووقوعه تابع له.

انتهى.

وهذه حجة كثيرة الورود في كلام المجبرة وخاصة الإمام الرازي في تفسيره الكبير يستدلون بها على إثبات الجبر ونفي الاختيار ومحصلها أن الحوادث ومنها أفعال الإنسان معلومة لله سبحانه في الأزل فهي ضرورية الوقوع وإلا كان علمه جهلا - تعالى عن ذلك - فالإنسان مجبر عليها غير مختار.

واعترض عليه بأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس وأجيب بما ذكره من أن علمه في الأزل تابع لماهية المعلوم لكن المعلوم تابع في وجوده للعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت