75 سورة القيامة - 16 - 40
لا تحَرِّك بِهِ لِسانَك لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَاتّبِعْ قُرْءَانَهُ (18) ثمّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) َكلا بَلْ تحِبّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الاَخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ نّاضِرَةٌ (22) إِلى رَبهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئذِ بَاسِرَةٌ (24) تَظنّ أَن يُفْعَلَ بهَا فَاقِرَةٌ (25) َكلا إِذَا بَلَغَتِ الترَاقىَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظنّ أَنّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفّتِ الساقُ بِالساقِ (29) إِلى رَبِّك يَوْمَئذٍ الْمَساقُ (30) فَلا صدّقَ وَلا صلى (31) وَلَكِن كَذّب وَتَوَلى (32) ثمّ ذَهَب إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطى (33) أَوْلى لَك فَأَوْلى (34) ثمّ أَوْلى لَك فَأَوْلى (35) أَ يحْسب الانسنُ أَن يُترَك سدىً (36) أَ لَمْ يَك نُطفَةً مِّن مّنىٍّ يُمْنى (37) ثمّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسوّى (38) فجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَينِ الذّكَرَ وَالأُنثى (39) أَ لَيْس ذَلِك بِقَدِرٍ عَلى أَن يحْيِىَ المَْوْتى (40)
تتمة صفة يوم القيامة باعتبار حال الناس فيه وانقسامهم إلى طائفة ناضرة الوجوه مبتهجين وأخرى باسرة الوجوه عابسين آيسين من النجاة ، والإشارة إلى أن هذا المساق تبتدىء من حين نزول الموت ثم الإشارة إلى أن الإنسان لا يترك سدى فالذي خلقه أولا قادر على أن يحييه ثانيا وبه تختتم السورة.
قوله تعالى:"لا تحرك به لسانك لتعجل به - إلى قوله - ثم إن علينا بيانه"الذي يعطيه سياق الآيات الأربع بما يحفها من الآيات المتقدمة والمتأخرة الواصفة ليوم القيامة أنها معترضة متضمن أدبا إلهيا كلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتأدب به حينما يتلقى ما يوحى إليه من القرآن الكريم فلا يبادر إلى قراءة ما لم يقرأ بعد ولا يحرك به لسانه وينصت حتى يتم الوحي.
فالآيات الأربع في معنى قوله تعالى:"و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه": طه: 114.
فالكلام في هذه الآيات يجري مجرى قول المتكلم منا أثناء حديثه لمخاطبه إذا بادر إلى تتميم بعض كلام المتكلم باللفظة واللفظتين قبل أن يلفظ بها المتكلم وذلك يشغله عن التجرد للإنصات فيقطع المتكلم حديثه ويعترض ويقول لا تعجل بكلامي وأنصت لتفقه ما أقول لك ثم يمضي في حديثه.
فقوله:"لا تحرك به لسانك لتعجل به"الخطاب فيه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والضميران للقرآن الذي يوحى إليه أو للوحي ، والمعنى لا تحرك بالوحي لسانك لتأخذه عاجلا فتسبقنا إلى قراءة ما لم نقرأ بعد فهو كما مر في معنى قوله:"و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه": طه: 114.
وقوله:"إن علينا جمعه وقرآنه"القرآن هاهنا مصدر كالفرقان والرجحان ، والضميران للوحي ، والمعنى لا تعجل به إذ علينا أن نجمع ما نوحيه إليك بضم بعض أجزائه إلى بعض وقراءته عليك فلا يفوتنا شيء منه حتى يحتاج إلى أن تسبقنا إلى قراءة ما لم نوحه بعد.
وقيل: المعنى إن علينا أن نجمعه في صدرك بحيث لا يذهب عليك شيء من معانيه وأن نثبت قراءته في لسانك بحيث تقرأه متى شئت ولا يخلو من بعد.
وقوله:"فإذا قرأناه فاتبع قرآنه"أي فإذا أتممنا قراءته عليك وحيا فاتبع قراءتنا له واقرأ بعد تمامها.
وقيل: المراد باتباع قرآنه اتباعه ذهنا بالإنصات والتوجه التام إليه وهو معنى لا بأس به.
وقيل: المراد فاتبع في الأوامر والنواهي قرآنه ، وقيل: المراد اتباع قراءته بالتكرار حتى يرسخ في الذهن وهما معنيان بعيدان.
وقوله:"ثم إن علينا بيانه"أي علينا إيضاحه عليك بعد ما كان علينا جمعه وقرآنه فثم للتأخير الرتبي لأن البيان مترتب على الجمع والقراءة رتبة.
وقيل ، المعنى ثم إن علينا بيانه للناس بلسانك نحفظه في ذهنك عن التغير والزوال حتى تقرأه على الناس.
وقال بعضهم في معنى هذه الآيات إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحرك لسانه عند الوحي بما ألقي إليه من القرآن مخافة أن ينساه فنهي عن ذلك بالآيات وأمر بالإنصات حتى يتم الوحي فضمير"لا تحرك به"للقرآن أو الوحي باعتبار ما قرأ عليه منه لا باعتبار ما لم يقرأ بعد.