و الآية في معنى التعليل بالنسبة إلى ما تقدمها كأنه تعالى يقول: ما أخبرنا به ووصفناه من حال أولئك الذين حق عليهم القول وهؤلاء الذين يتبعون الذكر ويخشون ربهم بالغيب هو كذلك لأن أمر حياة الكل إلينا وأعمالهم وآثارهم محفوظة عندنا فنحن على علم وخبرة بما تئول إليه حال كل من الفريقين.
في تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"فهم مقمحون"قال: قد رفعوا رءوسهم.
وفيه ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله تعالى:"و جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا - فأغشيناهم فهم لا يبصرون"الهدى ، أخذ الله سمعهم وأبصارهم وقلوبهم وأعمالهم عن الهدى. نزلت في أبي جهل بن هشام ونفر من أهل بيته وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام يصلي وقد حلف أبو جهل لعنه الله لئن رآه يصلي ليدمغه 1 فجاءه ومعه حجر والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم يصلي فجعل كلما رفع الحجر ليرميه أثبت الله عز وجل يده إلى عنقه ولا يدور الحجر بيده فلما رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده. ثم قام رجل آخر وهو رهطه أيضا فقال أنا أقتله فلما دنا منه فجعل يسمع قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرعب فرجع إلى أصحابه فقال حال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه فخفت أن أتقدم. وقوله تعالى:"و سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون"فلم يؤمن من أولئك الرهط من بني مخزوم أحد.
أقول: وروي نحو منه في الدر المنثور ، عن البيهقي في الدلائل عن ابن عباس وفيه: أن ناسا من بني مخزوم تواطئوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقتلوه منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة فبينا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم يصلي يسمعون قراءته فأرسلوا إليه الوليد ليقتله فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه فجعل يسمع قراءته ولا يراه فانطلق إليهم فأعلمهم ذلك فأتوه فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته فيذهبون إليه فيسمعون أيضا من خلفهم فانصرفوا فلم يجدوا إليه سبيلا. فذلك قوله:"و جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا"الآية.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ في المسجد فيجهر بالقراءة حتى تأذى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم وإذا هم لا يبصرون فجاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم قرابة فدعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت:"يس والقرآن الحكيم إلى قوله أم لم تنذرهم لا يؤمنون". قال: فلم يؤمن من ذلك النفر أحد.
أقول: وقد رووا القصة بأشكال مختلفة في بعضها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ الآيات فاحتجب منهم فلم يروه ودفع الله عنه شرهم وكيدهم ، وفي بعضها أن الآيات - من أول السورة إلى قوله:"فهم لا يؤمنون"- نزلت في القصة فقوله:"إنا جعلنا"إلى آخر الآيتين يقص صنع الله بهم في ستر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أبصارهم وقوله:"و سواء عليهم"إلخ يخبر عن عدم إيمان ذاك النفر.
وأنت خبير بأن سياق الآيات يأبى الانطباق على هذه الروايات بما فيها من القصة فهو سياق متناسق منسجم يصف حال طائفتين من الناس وهم الذين حق عليهم القول فهم لا يؤمنون والذين يتبعون الذكر ويخشون ربهم بالغيب.
وأين ذلك من حمل قوله:"لقد حق القول على أكثرهم"على الناس المنذرين وحمل قوله:"إنا جعلنا في أعناقهم"و"جعلنا من بين أيديهم سدا"الآيتين على قصة أبي جهل ورهطه ، وحمل قوله:"و سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم"على رهطه وأضف إلى ذلك حمل قوله:"و نكتب ما قدموا وآثارهم"على قصة قوم من الأنصار بالمدينة وسيوافيك خبره فيختل بذلك السياق وتنثلم وحدة النظم.
فالحق أن الآيات نازلة دفعة ذات سياق واحد تصف حال الناس وتفرقهم عند بلوغ الدعوة ووقوع الإنذار على فرقتين ، ولا مانع من وقوع القصة واحتجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أعدائه بالآيات.