فهرس الكتاب

الصفحة 3483 من 4314

قوله تعالى:"و سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون"عطف تفسير وتقرير لما تتضمنه الآيات الثلاث المتقدمة وتلخيص للمراد وتمهيد لما يتلوه من قوله:"إنما تنذر من اتبع الذكر"الآية.

واحتمل أن يكون عطفا على قوله:"لا يبصرون"والمعنى فهم لا يبصرون ويستوي عليهم إنذارك وعدم إنذارك لا يؤمنون والوجه الأول أقرب إلى الفهم.

قوله تعالى:"إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم"القصر للإفراد ، والمراد بالإنذار الإنذار النافع الذي له أثر ، وبالذكر القرآن الكريم ، وباتباعه تصديقه والميل إليه إذا تليت آياته ، والتعبير بالماضي للإشارة إلى تحقق الوقوع ، والمراد بخشية الرحمن بالغيب خشيته تعالى من وراء الحجاب وقبل انكشاف الحقيقة بالموت أو البعث ، وقيل: أي حال غيبته من الناس بخلاف المنافق وهو بعيد.

وقد علقت الخشية على اسم الرحمن الدال على صفة الرحمة الجالبة للرجاء للإشعار بأن خشيتهم خوف مشوب برجاء وهو الذي يقر العبد في مقام العبودية فلا يأمن ولا يقنط.

وتنكير"مغفرة"و"أجر كريم"للتفخيم أي فبشره بمغفرة عظيمة من الله وأجر كريم لا يقدر قدره وهو الجنة ، والدليل على جميع ما تقدم هو السياق.

والمعنى: إنما تنذر الإنذار النافع الذي له أثر ، من اتبع القرآن إذا تليت عليه آياته ومال إليه وخشي الرحمن خشية مشوبة بالرجاء فبشره بمغفرة عظيمة وأجر كريم لا يقدر قدره.

قوله تعالى:"إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين"المراد بإحياء الموتى إحياؤهم للجزاء.

والمراد بما قدموا الأعمال التي عملوها قبل الوفاة فقدموها على موتهم ، والمراد بآثارهم ما تركوها لما بعد موتهم من خير يعمل به كتعليم علم ينتفع به أو بناء مسجد يصلى فيه أو ميضاة يتوضأ فيها ، أو شر يعمل به كوضع سنة مبتدعة يستن بها أو بناء مفسقة يعصى الله فيها.

وربما قيل: إن المراد بما قدموا النيات وبآثارهم الأعمال المترتبة المتفرعة عليها وهو بعيد من السياق.

والمراد بكتابة ما قدموا وآثارهم ثبتها في صحائف أعمالهم وضبطها فيها بواسطة كتبة الأعمال من الملائكة وهذه الكتابة غير كتابة الأعمال وإحصائها في الإمام المبين الذي هو اللوح المحفوظ وإن توهم بعضهم أن المراد بكتابة ما قدموا وآثارهم هو إحصاؤها في الكتاب المبين وذلك أنه تعالى يثبت في كلامه كتابا يحصي كل شيء ثم لكل أمة كتابا يحصي أعمالهم ثم لكل إنسان كتابا يحصي أعماله كما قال:"و لا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين:"الأنعام: - 59 ، وقال:"كل أمة تدعى إلى كتابها:"الجاثية: - 28 ، وقال:"و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا:"الإسراء: - 13 ، وظاهر الآية أيضا يقضي بنوع من البينونة بين كتاب الأعمال والإمام المبين حيث فرق بينهما بالخصوص والعموم واختلاف التعبير بالكتابة والإحصاء.

وقوله:"و كل شيء أحصيناه في إمام مبين"هو اللوح المحفوظ من التغيير الذي يشتمل على تفصيل قضائه سبحانه في خلقه فيحصي كل شيء وقد ذكر في كلامه تعالى بأسماء مختلفة كاللوح المحفوظ وأم الكتاب والكتاب المبين والإمام المبين كل منها بعناية خاصة.

ولعل العناية في تسميته إماما مبينا أنه لاشتماله على القضاء المحتوم متبوع للخلق مقتدى لهم وكتب الأعمال كما سيأتي في تفسير سورة الجاثية مستنسخة منه قال تعالى:"هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون:"الجاثية: - 29.

وقيل: المراد بالإمام المبين صحف الأعمال وليس بشيء ، وقيل: علمه تعالى وهو كسابقه نعم لو أريد به العلم الفعلي كان له وجه.

ومن عجيب القول في هذا المقام ما ذكره بعضهم أن الذي كتب في اللوح المحفوظ هو ما كان وما يكون إلى يوم القيامة لا حوادث العالم إلى أبد الآبدين وذلك أن اللوح عند المسلمين جسم وكل جسم متناهي الأبعاد كما يشهد به الأدلة وبيان كل شيء فيه على الوجه المعروف عندنا دفعة مقتض لكون المتناهي ظرفا لغير المتناهي وهو محال بالبديهة فالوجه تخصيص عموم كل شيء والقول بأن المراد به الحوادث إلى يوم القيامة هذا.

وهو تحكم وسنتعرض له تفصيلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت