و اعلم أن ما ذكرناه في تركيب الآيات هو الذي يسبق منها إلى الفهم وقد أوردوا في ذلك وجوها أخر بعيدة عن الفهم تركناها من أرادها فليراجع المطولات.
قوله تعالى:"لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون"اللام للقسم أي أقسم لقد ثبت ووجب القول على أكثرهم ، والمراد بثبوت القول عليهم صيرورتهم مصاديق يصدق عليهم القول.
والمراد بالقول الذي حق عليهم كلمة العذاب التي تكلم بها الله سبحانه في بدء الخلقة مخاطبا بها إبليس:"الحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين:"ص: - 85 والمراد بتبعية إبليس طاعته فيما يأمر به بالوسوسة والتسويل بحيث تثبت الغواية وترسخ في النفس كما يشير إليه قوله تعالى خطابا لإبليس:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين:"الحجر: - 43.
ولازمه الطغيان والاستكبار على الحق كما يشير إليه ما يحكيه الله من تساؤل المتبوعين والتابعين في النار:"بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين:"الصافات: - 32 ، وقوله:"و لكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين:"الزمر: - 72.
ولازمه الانكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة بالمرة ورسوخ ذلك في نفوسهم قال تعالى:"و لكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون:"النحل: - 108 فيطبع الله على قلوبهم ومن آثاره أن لا سبيل لهم إلى الإيمان قال تعالى:"إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون:"يونس: - 96.
وبما تقدم ظهر أن الفاء في قوله:"فهم لا يؤمنون"للتفريع لا للتعليل كما احتمله بعضهم.
قوله تعالى:"إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون"الأعناق جمع عنق بضمتين وهو الجيد ، والأغلال جمع غل بالكسر وهي على ما قيل ما تشد به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد ، ومقمحون اسم مفعول من الإقماح وهو رفع الرأس كأنهم قد ملأت الأغلال ما بين صدورهم إلى أذقانهم فبقيت رءوسهم مرفوعة إلى السماء لا يتأتى لهم أن ينكسوها فينظروا إلى ما بين أيديهم من الطريق فيعرفوها ويميزوها من غيرها.
وتنكير قوله:"أغلالا"للتفخيم والتهويل.
والآية في مقام التعليل لقوله السابق:"فهم لا يؤمنون".
قوله تعالى:"و جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون"السد الحاجز بين الشيئين ، وقوله:"من بين أيديهم ومن خلفهم"كناية عن جميع الجهات ، والغشي والغشيان التغطية يقال: غشيه كذا أي غطاه وأغشى الأمر فلانا أي جعل الأمر يغطيه ، والآية متممة للتعليل السابق وقوله:"جعلنا"معطوف على"جعلنا"المتقدم.
وعن الرازي في تفسيره في معنى التشبيه في الآيتين أن المانع عن النظر في الآيات قسمان: قسم يمنع عن النظر في الأنفس فشبه ذلك بالغل الذي يجعل صاحبه مقمحا لا يرى نفسه ولا يقع بصره على بدنه ، وقسم يمنع عن النظر في الآفاق فشبه ذلك بالسد المحيط فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على الآفاق فلا يظهر له ما فيها من الآيات فمن ابتلي بهما حرم عن النظر بالكلية.
ومعنى الآيتين أنهم لا يؤمنون لأنا جعلنا في أعناقهم أغلالا نشد بها أيديهم على أعناقهم فهي إلى الأذقان فهم مرفوعة رءوسهم باقون على تلك الحال وجعلنا من جميع جهاتهم سدا فجعلناه يغطيهم فهم لا يبصرون فلا يهتدون.
ففي الآيتين تمثيل لحالهم في حرمانهم من الاهتداء إلى الإيمان وتحريمه تعالى عليهم ذلك جزاء لكفرهم وغوايتهم وطغيانهم في ذلك.
وقد تقدم في قوله تعالى:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا:"البقرة: - 26 في الجزء الأول من الكتاب أن ما وقع في القرآن من هذه الأوصاف ونظائرها التي وصف بها المؤمنون والكفار يكشف عن حياة أخرى للإنسان في باطن هذه الحياة الدنيوية مستورة عن الحس المادي ستظهر له إذا انكشفت الحقائق بالموت أو البعث ، وعليه فالكلام في أمثال هذه الآيات جار في مجرى الحقيقة دون المجاز كما عليه القوم.