12 سورة يوسف - 35 - 42
ثُمّ بَدَا لهَُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الاَيَتِ لَيَسجُنُنّهُ حَتى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنى أَرَاخ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الاَخَرُ إِنى أَرَاخ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسى خُبزًا تَأْكلُ الطيرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمّا عَلّمَنى رَبى إِنى تَرَكْت مِلّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ (37) وَاتّبَعْت مِلّةَ ءَابَاءِى إِبْرَهِيمَ وَإِسحَقَ وَيَعْقُوب مَا كانَ لَنَا أَن نّشرِك بِاللّهِ مِن شىْءٍ ذَلِك مِن فَضلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلى النّاسِ وَلَكِنّ أَكثرَ النّاسِ لا يَشكُرُونَ (38) يَصحِبىِ السجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مّتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللّهُ الْوَحِدُ الْقَهّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلا أَسمَاءً سمّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكم مّا أَنزَلَ اللّهُ بهَا مِن سلْطنٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا للّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيّاهُ ذَلِك الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنّ أَكثرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) يَصحِبىِ السجْنِ أَمّا أَحَدُكُمَا فَيَسقِى رَبّهُ خَمْرًا وَأَمّا الاَخَرُ فَيُصلَب فَتَأْكلُ الطيرُ مِن رّأْسِهِ قُضىَ الأَمْرُ الّذِى فِيهِ تَستَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلّذِى ظنّ أَنّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكرْنى عِندَ رَبِّك فَأَنساهُ الشيْطنُ ذِكرَ رَبِّهِ فَلَبِث في السجْنِ بِضعَ سِنِينَ (42)
تتضمن الآيات شطرا من قصته (عليه السلام) وهو دخوله السجن ومكثه فيه بضع سنين وهو مقدمة تقربه التام عند الملك ونيله عزة مصر ، وفيه دعوته في السجن إلى دين التوحيد ، وقد جاء ببيان عجيب ، وإظهاره لأول مرة أنه من أسرة إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
قوله تعالى"ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين"البداء هو ظهور رأي بعد ما لم يكن يقال؟ بدا لي في أمر كذا أي ظهر لي فيه رأي جديد ، والضمير في قوله:"لهم"إلى العزيز وامرأته ومن يتلوهما من أهل الاختصاص وأعوان الملك والعزة.
والمراد بالآيات الشواهد والأدلة الدالة على براءة يوسف (عليه السلام) وطهارة ذيله مما اتهموه به كشهادة الصبي وقد القميص من خلفه واستباقهما الباب معا ، ولعل منها تقطيع النسوة أيديهن برؤيته واستعصامه عن مراودتهن إياه عن نفسه واعتراف امرأة العزيز لهن أنها راودته عن نفسه فاستعصم.
وقوله:"ليسجننه"اللام فيه للقسم أي أقسموا وعزموا ليسجننه البتة ، وهو تفسير للرأي الذي بدا لهم ، ويتعلق به قوله:"حتى حين"ولا يخلو من معنى الانتظار بالنظر إلى قطع حين عن الإضافة والمعنى على هذا ليسجننه حتى ينقطع حديث المراودة الشائع في المدينة وينساه الناس.
ومعنى الآية: ثم ظهر للعزيز ومن يتلوه من امرأته وسائر مشاوريه رأي جديد في يوسف من بعد ما رأوا هذه الآيات الدالة على براءته وعصمته وهو أن يسجنوه حينا من الزمان حتى ينسى حديث المراودة الذي يجلب لهم العار والشين وأقسموا على ذلك.
ويظهر بذلك أنهم إنما عزموا على ذلك لمصلحة بيت العزيز وصونا لأسرته عن هوان التهمة والعار ، ولعل من غرضهم أن يتحفظوا على أمن المدينة العام ولا يخلوا الناس وخاصة النساء أن يفتتنوا به فإن هذا الحسن الذي أوله امرأة العزيز والسيدات من شرفاء المدينة وفعل بهم ما فعل من طبعه أن لا يلبث دون أن يقيم في المدينة بلوى.
لكن الذي يظهر من قوله في السجن لرسول الملك:"ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن"إلى آخر ما قال ، ثم قول الملك لهن: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ، وقولهن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء ثم قول امرأة العزيز: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ، كل ذلك يدل على أن المرأة ألبست الأمر بعد على زوجها وأرابته في براءة يوسف (عليه السلام) فاعتقد خلاف ما دلت عليه الآيات أو شك في ذلك ، ولم يكن ذلك إلا عن سلطة تامة منها عليه وتمكن كامل من قلبه ورأيه.