فهرس الكتاب

الصفحة 3696 من 4314

42 سورة الشورى - 51 - 53

وَمَا كانَ لِبَشرٍ أَن يُكلِّمَهُ اللّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاى حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ إِنّهُ عَلىّ حَكيمٌ (51) وَكَذَلِك أَوْحَيْنَا إِلَيْك رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنت تَدْرِى مَا الْكِتَب وَلا الايمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا نهْدِى بِهِ مَن نّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّك لَتهْدِى إِلى صِرَطٍ مّستَقِيمٍ (52) صِرَطِ اللّهِ الّذِى لَهُ مَا في السمَوَتِ وَمَا في الأَرْضِ أَلا إِلى اللّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ (53)

تتضمن الآيات آخر ما يفيده سبحانه في تعريف الوحي في هذه السورة وهو تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ثم يذكر أنه يوحي إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يوحي ، على هذه الوتيرة وأن ما أوحي إليه منه تعالى لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم ذلك من نفسه بل هو نور يهدي به الله من يشاء من عباده ويهدي به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإذنه.

قوله تعالى:"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء"إلخ ، قد تقدم البحث عن معنى كلامه تعالى في الجزء الثاني من الكتاب ، وإطلاق الكلام على كلامه تعالى والتكليم على فعله الخاص سواء كان إطلاقا حقيقيا أو مجازيا واقع في كلامه تعالى قال:"يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي": الأعراف: 144 وقال:"و كلم الله موسى تكليما": النساء: 164 ، ومن مصاديق كلامه ما يتلقاه الأنبياء (عليهم السلام) منه تعالى بالوحي.

وعلى هذا لا موجب لعد الاستثناء في قوله:"إلا وحيا"منقطعا بل الوحي والقسمان المذكوران بعده من تكليمه تعالى للبشر سواء كان إطلاق التكليم عليها إطلاقا حقيقيا أو مجازيا فكل واحد من الوحي وما كان من وراء حجاب وما كان بإرسال رسول نوع من تكليمه للبشر.

فقوله:"وحيا"- والوحي الإشارة السريعة على ما ذكره الراغب - مفعول مطلق نوعي وكذا المعطوفان عليه في معنى المصدر النوعي ، والمعنى: ما كان لبشر أن يكلمه الله نوعا من أنواع التكليم إلا هذه الأنواع الثلاثة أن يوحي وحيا أو يكون من وراء حجاب أو أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء.

ثم إن ظاهر الترديد في الآية بأو هو التقسيم على مغايرة بين الأقسام وقد قيد القسمان الأخيران بقيد كالحجاب ، والرسول الذي يوحي إلى النبي ولم يقيد القسم الأول بشيء فظاهر المقابلة يفيد أن المراد به التكليم الخفي من دون أن يتوسط واسطة بينة تعالى وبين النبي أصلا ، وأما القسمان الآخران ففيهما قيد زائد وهو الحجاب أو الرسول الموحي وكل منهما واسطة غير أن الفارق أن الواسطة الذي هو الرسول يوحي إلى النبي بنفسه والحجاب واسطة ليس بموح وإنما الوحي من ورائه.

فتحصل أن القسم الثالث"أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء"وحي بتوسط الرسول الذي هو ملك الوحي فيوحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله سبحانه قال تعالى:"نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194 ، وقال:"قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله": البقرة: 97 ، والموحي مع ذلك هو الله سبحانه كما قال:"بما أوحينا إليك هذا القرآن": يوسف: 3.

وأما قول بعضهم: إن المراد بالرسول في قوله:"أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء"هو النبي يبلغ الناس الوحي فلا يلائمه قوله:"يوحي"إذ لا يطلق الوحي على تبليغ النبي.

وإن القسم الثاني"أو من وراء حجاب"وحي مع واسطة هو الحجاب غير أن الواسطة لا يوحي كما في القسم الثالث وإنما يبتدىء الوحي مما وراءه لمكان من ، وليس وراء بمعنى خلف وإنما هو الخارج عن الشيء المحيط به ، قال تعالى:"و الله من ورائهم محيط": البروج: 20 ، وهذا كتكليم موسى (عليه السلام) في الطور ، قال تعالى:"فلما أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة": القصص: 30 ، ومن هذا الباب ما أوحي إلى الأنبياء في مناماتهم.

وإن القسم الأول تكليم إلهي للنبي من غير واسطة بينة وبين ربه من رسول أو أي حجاب مفروض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت