قوله تعالى:"أ لم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم"الآية النجوى الكلام الخفي والاستفهام للتوبيخ والتأنيب.
قوله تعالى:"الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم"الآية التطوع الإتيان بما لا تكرهه النفس ولا تحسبه شاقا ولذلك يستعمل غالبا في المندوبات لما في الواجبات من شائبة التحميل على النفس بعدم الرضى بالترك.
ومقابلة المطوعين من المؤمنين في الصدقات بالذين لا يجدون إلا جهدهم قرينة على أن المراد بالمطوعين فيها الذين يؤتون الزكاة على السعة والجدة كأنهم لسعتهم وكثرة مالهم يؤتونها على طوع ورغبة من غير أن يشق ذلك عليهم بخلاف الذين لا يجدون إلا جهدهم أي مبلغ جهدهم وطاقتهم أو ما يشق عليهم القنوع بذلك.
وقوله:"الذين يلمزون"الآية كلام مستأنف أو هو وصف للذين ذكروا بقوله:"و منهم من عاهد الله"الآية كما قالوا.
والمعنى: الذين يعيبون الذين يتطوعون بالصدقات من المؤمنين الموسرين والذين لا يجدون من المال إلا جهد أنفسهم من الفقراء المعسرين فيعيبون المتصدقين موسرهم ومعسرهم وغنيهم وفقيرهم ويسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ، وفيه جواب لاستهزائهم وإيعاد بعذاب شديد.
قوله تعالى:"استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم"الترديد بين الأمر والنهي كناية عن تساوي الفعل والترك أي لغوية الفعل كما مر نظيره في قوله:"أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم:"التوبة: - 53.
فالمعنى أن هؤلاء المنافقين لا تنالهم مغفرة من الله ويستوي فيهم طلب المغفرة وعدمها لأن طلبها لهم لغو لا أثر له.
وقوله:"إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم"تأكيدا لما ذكر قبله من لغوية الاستغفار لهم ، وبيان أن طبيعة المغفرة لا تنالهم البتة سواء سألت المغفرة في حقهم أو لم تسأل ، وسواء كان الاستغفار مرة أو مرات قليلا أو كثيرا.
فذكر السبعين كناية عن الكثرة من غير أن يكون هناك خصوصية للعدد حتى يكون الواحد والاثنان من الاستغفار حتى يبلغ السبعين غير مؤثر في حقهم فإذا جاوز السبعين أثر أثره ، ولذلك علله بقوله:"ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله"أي إن المانع من شمول المغفرة هو كفرهم بالله ورسوله ، ولا يختلف هذا المانع بعدم الاستغفار.
ولا وجوده واحدا أو كثيرا فهم على كفرهم.
ومن هنا يظهر أن قوله:"و الله لا يهدي القوم الفاسقين"متمم لسابقه والكلام مسوق سوق الاستدلال القياسي والتقدير: أنهم كافرون بالله ورسوله فهم فاسقون خارجون عن عبودية الله ، والله لا يهدي القوم الفاسقين ، لكن المغفرة هداية إلى سعادة القرب والجنة فلا تشملهم المغفرة ولا تنالهم البتة.
واستعمال السبعين في الكثرة المجردة عن الخصوصية كاستعمال المائة والألف فيها كثير في اللغة.
في المجمع ،: قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب ، وكان من الأنصار فقال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ادع الله أن يرزقني مالا فقال: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه أ ما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت. ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا والذي بعثك بالحق ، لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها ثم كثرت نموا حتى تباعد من المدينة فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة ، وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه المصدق ليأخذ الصدقة فأبى وبخل وقال: ما هذه إلا أخت الجزية فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ، وأنزل الله الآيات: . عن أبي أمامة الباهلي وروي ذلك مرفوعا.
وقيل: إن ثعلبة أتى مجلسا من الأنصار فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله تصدقت منه وآتيت كل ذي حق حقه ووصلت منه القرابة فابتلاه الله فمات ابن عم له فورثه مالا فلم يف بما قال فنزلت.
عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة.
وقيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وهما من بني عمرو بن عوف قالا: لئن رزقنا الله مالا لنصدقن فلما رزقهما الله المال بخلا به.