فهرس الكتاب

الصفحة 1410 من 4314

و قوله:"يوم يقول كن فيكون"السياق يدل على أن المراد بالمقول له هو يوم الحشر وإن كان كل موجود مخلوق على هذه الصفة كما قال تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82 ويوم ظرف متعلق بالقول والمعنى: يوم يقول ليوم القيامة: كن فيكون ، وربما قيل: إن المقول له هو الشيء والتقدير: يوم يقول لشيء كن فيكون ، وما ذكرناه أوفق للسياق.

وقوله:"قوله الحق"تعليل عللت به الجملة التي قبله ، والدليل عليه فصل الجملة ، والحق هو الثابت بحقيقة معنى الثبوت وهو الوجود الخارجي والكون العيني وإذ كان قوله هو فعله وإيجاده كما يدل عليه قوله:"و يوم يقول كن فيكون"فقوله تعالى هو نفس الحق فلا مرد له ولا مبدل لكلماته قال تعالى:"و الحق أقول": ص: 84.

قوله تعالى:"و له الملك يوم ينفخ في الصور"يريد به يوم القيامة قال تعالى:"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": المؤمن: 16 والمراد بثبوت الملك له تعالى يوم النفخ مع أن له الملك دائما إنما هو ظهور ذلك بتقطع الأسباب وانبتات الروابط والأنساب وقد تقدم شذور من البحث في ذلك فيما تقدم وسيجيء استيفاء البحث عنه وعن معنى الصور في الموضع المناسب لذلك إن شاء الله تعالى.

وقوله"عالم الغيب والشهادة"قد تقدم معناه ، وهو اسم يتقوم بمعناه الحساب والجزاء ، وكذلك الاسمان: الحكيم والخبير فهو تعالى بعلمه بالغيب والشهادة يعلم ظاهر الأشياء وباطنها فلا يخفى عليه ظاهر لظهوره ولا باطن لبطونه ، وبحكمته يتقن تدبير الخليقة ويميز الواجب من الجزاء كما ينبغي فلا يظلم ولا يجازف ، وبخبرته لا يفوت عنه دقيق لدقته ولا جليل لجلالته.

فهذه الأسماء والنعوت تبين بأتم البيان أن الجميع محشورون إليه وأن هداه هو الهدى ودين الفطرة الذي أمر به هو الدين الحق فإنه تعالى خلق العالم لغاية مطلوبة أرادها منه وهو الرجوع إليه ، وإذ كان يريدها فسيقول لها كن فيكون لأن قوله حق لا مرد له ، ويظهر اليوم أن الملك له لا سلطنة لشيء غيره على شيء ، وعند ذلك يتميز بتمييزه من أطاعه ممن عصاه لأنه يعلم كل غيب وشهادة عن حكمة وخبرة.

وقد بان مما تقدم أولا: أن قوله:"بالحق"أريد به أن خلق السماوات والأرض خلق حق أي إن الحق وصفه ، وقد تقدم قريبا معنى كون فعله وقوله تعالى حقا ، وأما ما قيل: إن المعنى خلق السماوات والأرض بالقول الحق فبعيد.

وثانيا: أن ظاهر قوله:"و يوم يقول كن فيكون"بدلالة السياق بيان لأمر يوم القيامة وإن كان الأمر في خلق جميع الأشياء على هذه الطريقة.

وثالثا: أن اختصاص نفخ الصور من بين أوصاف القيامة بالذكر في قوله:"و له الملك يوم ينفخ في الصور"للإشارة إلى معنى الإحضار العام الذي هو المناسب لبيان قوله في ذيل الآية السابقة:"و هو الذي إليه تحشرون"فإن الحشر هو إخراج الناس وتسييرهم مجتمعين بنوع من الإزعاج ، والصور إنما ينفخ فيه لاجتماع أفراد العسكر لأمر يهمهم ، ولذلك ينفخ الصور أعني النفخة الثانية يوم القيامة ليحضروا عرصة المحشر لفصل القضاء قال تعالى:"و نفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون - إلى أن قال - إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون": يس: 54.

وليس اليوم في الموضعين بمعنى واحد فاليوم الأول أريد به مطلق الظرف كالظرف ليوم القيامة بنوع من العناية الكلامية كقولنا: يوم خلق الله الحركة وحين خلق الله الأيام والليالي وإنما اليوم من فروع الحركة متفرع عليه ، والحين هو اليوم والليل ، والمراد باليوم الثاني نفس يوم القيامة.

في الدر المنثور ، في قوله تعالى: يقص الحق الآية أخرج الدارقطني في الإفراد وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: أقرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلا:"يقص الحق وهو خير الفاصلين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت