فهرس الكتاب

الصفحة 1409 من 4314

و قوله:"كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران""إلخ"تمثيل مثل به حال الإنسان المتحير الذي لم يؤت بصيرة في أمره وعزيمة راسخة على سعادته فترك أحسن طريق وأقومه إلى مقصده ، وقد ركبه قبله أصحاب له مهتدون به وبقي متحيرا بين شياطين يدعونه إلى الردى والهلاك ، وأصحاب له مهتدين قد نزلوا في منازلهم أو أشرفوا على الوصول يدعونه إلى الهدى أن ائتنا فلا يدري ما يفعل وهو بين مهبط ومستوى؟.

قوله تعالى:"قل إن هدى الله هو الهدى"إلى آخر الآية.

أي إن كان الأمر دائرا بين دعوة الله سبحانه وهي التي توافق الفطرة وتسميه الفطرة هدى الله ، وبين دعوة الشياطين وهي التي فيها الهوى واتخاذ الدين لعبا ولهوا فهدى الله هو الهدى الحقيقي دون غيره.

أما أن ما يوافق دعوة الفطرة هو هدى الله فلا شك يعتريه لأن حق الهداية هو الذي ينطق به الصنع والإيجاد الذي ليس إلا لله ولا نروم شيئا من دين أو اعتقاد إلا لابتغاء مطابقة الواقع والواقع لله فلا يعدوه هداه ، وأما أن هدى الله هو الهدى الحقيقي الذي يجب أن يؤخذ به دون الدعوة الشيطانية فظاهر أيضا لأن الله سبحانه هو الذي إليه أمرنا كله من جهة مبدئنا ومنتهانا وما نحتاج إليه في دنيا أو آخرة.

وقوله:"و أمرنا لنسلم لرب العالمين"قال في المجمع ،: تقول العرب: أمرتك لتفعل وأمرتك أن تفعل وأمرتك بأن تفعل فمن قال: أمرتك بأن تفعل فالباء للإلصاق والمعنى وقع الأمر بهذا الفعل ، ومن قال: أمرتك أن تفعل حذف الجار ، ومن قال: أمرتك لتفعل فالمعنى أمرتك للفعل ، وقال الزجاج: التقدير أمرنا كي نسلم.

والجملة أعني قوله:"و أمرنا لنسلم"إلخ ، عطف تفسير لقوله:"إن هدى الله هو الهدى"فالأمر بالإسلام هو مصداق لهدى الله ، والمعنى: أمرنا الله لنسلم له وإنما أبهم فاعل الفعل ليكون تمهيدا لوضع قوله:"لرب العالمين"موضع الضمير فيدل به على علة الأمر فالمعنى أمرنا من ناحية الغيب أن نسلم لله لأنه رب العالمين جميعا ليس لها جميعا أو لكل بعض منها - كما تزعمه الوثنية - رب آخر ولا أرباب أخر.

وظاهر الآية أن المراد بالإسلام هو تسليم عامة الأمور إليه تعالى لا مجرد التشهد بالشهادتين ، وهو ظاهر قوله:"إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19 كما مر في تفسير الآية.

قوله تعالى:"و أن أقيموا الصلاة واتقوه"تفنن في سرد الكلام بأخذ الأمر بمعنى القول والجري في مجرى هذه العناية كأنه قيل: وقيل لنا: أن أسلموا لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه.

وقد أجمل تفاصيل الأعمال الدينية ثانيا في قوله:"و اتقوه"غير أنه صرح من بينها باسم الصلاة تعظيما لأمرها واعتناء بشأنها واهتمام القرآن الشريف بأمر الصلاة ظاهر لا شك فيه.

قوله تعالى:"و هو الذي إليه تحشرون"فمن الواجب أن يسلم له ويتقى لأن الرجوع إليه ، والحساب والجزاء بيده.

قوله تعالى:"و هو الذي خلق السماوات والأرض بالحق"إلى آخر الآية.

بضعة أسماء وأوصاف له سبحانه مذكورة أريد بذكرها بيان ما تقدم من القول وتعليله فإنه تعالى ذكر أن الهدى هداه ثم فسره نوع تفسير بالإسلام له والصلاة والتقوى وهو تمام الدين ثم بين السبب في كون هداه هو الهدى الذي لا يجوز التجافي عنه وهو أن حشر الجميع إليه

ثم بينه أتم بيان بقوله:"و هو الذي خلق السماوات والأرض بالحق"إلخ ، فهذه أسماء ونعوت له تعالى لو انتفى واحد منها لم يتم البيان.

فقوله:"هو الذي خلق"إلخ ، يريد به أن الخلقة جميعا فعله وإنما أتى به بالحق لا بالباطل ، والفعل إذا لم يكن باطلا لم يكن مندوحة من ثبوت الغاية له فللخلقة غاية وهو الرجوع إليه تعالى وهذا هو إحدى الحجتين اللتين ذكرهما في قوله عز من قائل"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا"إلى آخر الآيتين: ص: 27"فخلقة السماوات والأرض بخلقة حقة تؤدي إلى أن الخلق يحشرون إليه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت