2 سورة البقرة - 255
اللّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَىّ الْقَيّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لّهُ مَا في السمَوَتِ وَمَا في الأَرْضِ مَن ذَا الّذِى يَشفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطونَ بِشىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شاءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السمَوَتِ وَالأَرْض وَلا يَئُودُهُ حِفْظهُمَا وَهُوَ الْعَلىّ الْعَظِيمُ (255)
قوله تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، قد تقدم في سورة الحمد بعض الكلام في لفظ الجلالة ، وأنه سواء أخذ من أله الرجل بمعنى تاه ووله أو من أله بمعنى عبد فلازم معناه الذات المستجمع لجميع صفات الكمال على سبيل التلميح.
وقد تقدم بعض الكلام في قوله تعالى: لا إله إلا هو ، في قوله تعالى:"و إلهكم إله واحد:"البقرة - 163 ، وضمير هو وإن رجع إلى اسم الجلالة لكن اسم الجلالة لما كان علما بالغلبة يدل على نفس الذات من حيث إنه ذات وإن كان مشتملا على بعض المعاني الوصفية التي يلمح باللام أو بالإطلاق إليها ، فقوله: لا إله إلا هو ، يدل على نفي حق الثبوت عن الآلهة التي تثبت من دون الله.
وأما اسم الحي فمعناه ذو الحياة الثابتة على وزان سائر الصفات المشبهة في دلالتها على الدوام والثبات.
والناس في بادىء مطالعتهم لحال الموجودات وجدوها على قسمين: قسم منها لا يختلف حاله عند الحس ما دام وجوده ثابتا كالأحجار وسائر الجمادات ، وقسم منها ربما تغيرت حاله وتعطلت قواه وأفعاله مع بقاء وجودها على ما كان عليه عند الحس ، وذلك كالإنسان وسائر أقسام الحيوان والنبات فإنا ربما نجدها تعطلت قواها ومشاعرها وأفعالها ثم يطرأ عليها الفساد تدريجا ، وبذلك أذعن الإنسان بأن هناك وراء الحواس أمرا آخر هو المبدأ للإحساسات والإدراكات العلمية والأفعال المبتنية على العلم والإرادة وهو المسمى بالحياة ويسمى بطلانه بالموت ، فالحياة نحو وجود يترشح عنه العلم والقدرة.
وقد ذكر الله سبحانه هذه الحياة في كلامه ذكر تقرير لها ، قال تعالى:"اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها:"الحديد - 17 ، وقال تعالى:"إنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى:"فصلت - 39 ، وقال تعالى:"و ما يستوي الأحياء ولا الأموات:"الفاطر - 22 ، وقال تعالى:"و جعلنا من الماء كل شيء حي:"الأنبياء - 30 ، فهذه تشمل حياة أقسام الحي من الإنسان والحيوان والنبات.
وكذلك القول في أقسام الحياة ، قال تعالى:"و رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها": يونس - 7 ، وقال تعالى:"ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين:"المؤمن - 11 ، والإحياءان المذكوران يشتملان على حياتين: إحداهما: الحياة البرزخية ، والثانية: الحياة الآخرة ، فللحياة أقسام كما للحي أقسام.
والله سبحانه مع ما يقرر هذه الحياة الدنيا يعدها في مواضع كثيرة من كلامه شيئا رديا هينا لا يعبأ بشأنه كقوله تعالى:"و ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع:"الرعد - 26 ، وقوله تعالى:"تبتغون عرض الحياة الدنيا:"النساء - 94 ، وقوله تعالى:"تريد زينة الحياة الدنيا:"الكهف - 28 ، وقوله تعالى:"و ما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو:"الأنعام - 32 ، وقوله تعالى:"و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور:"الحديد - 20 ، فوصف الحياة الدنيا بهذه الأوصاف فعدها متاعا والمتاع ما يقصد لغيره ، وعدها عرضا والعرض ما يتعرض ثم يزول ، وعدها زينة و- الزينة - هو الجمال الذي يضم على الشيء ليقصد الشيء لأجله فيقع غير ما قصد ويقصد غير ما وقع ، وعدها لهوا و- اللهو - ما يلهيك ويشغلك بنفسه عما يهمك ، وعدها لعبا واللعب هو الفعل الذي يصدر لغاية خيالية لا حقيقية ، وعدها متاع الغرور وهو ما يغر به الإنسان.