فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 4314

فهو سبحانه هو الدال على ذاته بذاته وهو الدال على جميع مصنوعاته فيصدق على مرتبة الذات الكلام كما يصدق على مرتبة الفعل الكلام بالتقريب المتقدم ، فقد تحصل بهذا البيان أن من الكلام ما هو صفة الذات وهو الذات من حيث دلالته على الذات ، ومنه ما هو صفة الفعل ، وهو الخلق والإيجاد من حيث دلالة الموجود على ما عند موجده من الكمال.

أقول: ما نقلنا عنهم على تقدير صحته لا يساعد عليه اللفظ اللغوي ، فإن الذي أثبته الكتاب والسنة هو أمثال قوله تعالى: منهم من كلم الله وقوله: وكلم الله موسى تكليما.

وقوله: قال الله يا عيسى ، وقوله: وقلنا يا آدم ، وقوله: إنا أوحينا إليك ، وقوله: نبأني العليم الخبير ، ومن المعلوم أن الكلام والقول بمعنى عين الذات لا ينطبق على شيء من هذه الموارد.

واعلم أن بحث الكلام من أقدم الأبحاث العلمية التي اشتغلت به الباحثون من المسلمين وبذلك سمي علم الكلام به وهي أن كلام الله سبحانه هل هو قديم أو حادث؟ ذهبت الأشاعرة إلى القدم غير أنهم فسروا الكلام بأن المراد بالكلام هو المعاني الذهنية التي يدل عليه الكلام اللفظي ، وتلك المعاني علوم الله سبحانه قائمة بذاته قديمة بقدمها ، وأما الكلام اللفظي وهو الأصوات والنغمات فهي حادثة زائدة على الذات بالضرورة.

وذهبت المعتزلة إلى الحدوث غير أنهم فسروا الكلام بالألفاظ الدالة على المعنى التام دلالة وضعية فهذا هو الكلام عند العرف ، قالوا: وأما المعاني النفسية التي تسميه الأشاعرة كلاما نفسيا فهي صور علمية وليست بالكلام.

وبعبارة أخرى: إنا لا نجد في نفوسنا عند التكلم بكلام غير المفاهيم الذهنية التي هي صور علمية فإن أريد بالكلام النفسي ذلك كان علما لا كلاما ، وإن أريد به أمر آخر وراء الصورة العلمية فإنا لا نجد وراءها شيئا بالوجدان هذا.

وربما أمكن أن يورد عليه بجواز أن يكون شيء واحد بجهتين أو باعتبارين مصداقا لصفتين أو أزيد وهو ظاهر ، فلم لا يجوز أن تكون الصورة الذهنية علما من جهة كونه انكشافا للواقع ، وكلاما من جهة كونه علما يمكن إفاضته للغير؟.

أقول: والذي يحسم مادة هذا النزاع من أصله أن وصف العلم في الله سبحانه بأي معنى أخذناه أي سواء أخذ علما تفصيليا بالذات وإجماليا بالغير ، أو أخذ علما تفصيليا بالذات وبالغير في مقام الذات ، وهذان المعنيان من العلم الذي هو عين الذات ، أو أخذ علما تفصيليا قبل الإيجاد بعد الذات أو أخذ علما تفصيليا بعد الإيجاد وبعد الذات جميعا ، فالعلم الواجبي على جميع تصاويره علم حضوري غير حصولي.

والذي ذكروه وتنازعوا عليه إنما هو من قبيل العلم الحصولي الذي يرجع إلى وجود مفاهيم ذهنية مأخوذة من الخارج بحيث لا يترتب عليها آثارها الخارجية فقد أقمنا البرهان في محله: أن المفاهيم والماهيات لا تتحقق إلا في ذهن الإنسان أو ما قاربه جنسا من أنواع الحيوان التي تعمل الأعمال الحيوية بالحواس الظاهرة والإحساسات الباطنة.

وبالجملة فالله سبحانه أجل من أن يكون له ذهن يذهن به المفاهيم والماهيات الاعتبارية مما لا ملاك لتحقيقه إلا الوهم فقط نظير مفهوم العدم والمفاهيم الاعتبارية في ظرف الاجتماع ، ولو كان كذلك لكان ذاته المقدسة محلا للتركيب ، ومعرضا لحدوث الحوادث ، وكلامه محتملا للصدق والكذب إلى غير ذلك من وجوه الفساد تعالى عنها وتقدس.

وأما معنى علمه بهذه المفاهيم الواقعة تحت الألفاظ فسيجيء إن شاء الله بيانه في موضع يليق به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت