30 سورة الروم - 20 - 26
وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمّ إِذَا أَنتُم بَشرٌ تَنتَشِرُونَ (20) وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِّتَسكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكم مّوَدّةً وَرَحْمَةً إِنّ في ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ (21) وَمِنْ ءَايَتِهِ خَلْقُ السمَوَتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَف أَلْسِنَتِكمْ وَأَلْوَنِكمْ إِنّ في ذَلِك لاَيَتٍ لِّلْعَلِمِينَ (22) وَمِنْ ءَايَتِهِ مَنَامُكم بِالّيْلِ وَالنهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضلِهِ إِنّ في ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَسمَعُونَ (23) وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكمُ الْبرْقَ خَوْفًا وَطمَعًا وَيُنزِّلُ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَيُحْىِ بِهِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتِهَا إِنّ في ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ ءَايَتِهِ أَن تَقُومَ السمَاءُ وَالأَرْض بِأَمْرِهِ ثمّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَن في السمَوَتِ وَالأَرْضِ كلّ لّهُ قَنِتُونَ (26)
يذكر في هذا الفصل عدة من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى في الربوبية والألوهية ، ويشار فيها إلى امتزاج الخلق والتدبير وتداخلهما ليتضح بذلك أن الربوبية بمعنى ملك التدبير والألوهية بمعنى المعبودية بالحق لا يستحقهما إلا الله الذي خلق الأشياء وأوجدها ، لا كما يزعم الوثني أن الخلق لله وحده والتدبير والعبادة لأرباب الأصنام ليكونوا شفعاء لهم عند الله ، وليس له سبحانه إلا أنه رب الأرباب وإله الآلهة.
قوله تعالى:"و من آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون"المراد بالخلق من تراب انتهاء خلقة الإنسان إلى الأرض فإن مراتب تكون الإنسان من مضغة أو علقة أو نطفة أو غيرها مركبات أرضية تنتهي إلى العناصر الأرضية.
وقوله:"ثم إذا أنتم بشر تنتشرون"إذا فجائية أي يفاجئكم أنكم أناسي تنتشرون في الأرض أي يخلقكم من تركيبات أرضية المترقب منها كينونة أرضية ميتة أخرى مثلها لكن يفاجئكم دفعة أنه يصير بشرا ذوي حياة وشعور عقلي ينتشرون في الأرض في سبيل تدمير أمر الحياة فقوله:"ثم إذا أنتم بشر تنتشرون"في معنى قوله:"ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14.
فخلق الإنسان أي جمع أجزائه من الأرض وتأليفها آية وكينونة هذا المجموع إنسانا ذا حياة وشعور عقلي آية أو آيات أخر تدل على صانع حي عليم يدبر الأمر ويجري هذا النظام العجيب.
وقد ظهر بهذا المعنى أن"ثم"للتراخي الرتبي والجملة معطوفة على قوله:"خلقكم"لا على قوله:"أن خلقكم".
قوله تعالى:"و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها"إلى آخر الآية ، قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى من الحيوانات المتزاوجة: زوج ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج ، قال تعالى:"فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى"وقال:"و زوجك الجنة"وزوجة لغة رديئة وجمعها زوجات - إلى أن قال - وجمع الزوج أزواج.
انتهى.
فقوله:"أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها"أي خلق لأجلكم - أو لينفعكم - من جنسكم قرائن وذلك أن كل واحد من الرجل والمرأة مجهز بجهاز التناسل تجهيزا يتم فعله بمقارنة الآخر ويتم بمجموعهما أمر التوالد والتناسل فكل واحد منهما ناقص في نفسه مفتقر إلى الآخر ويحصل من المجموع واحد تام له أن يلد وينسل ، ولهذا النقص والافتقار يتحرك الواحد منهما إلى الآخر حتى إذا اتصل به سكن إليه لأن كل ناقص مشتاق إلى كماله وكل مفتقر مائل إلى ما يزيل فقره وهذا هو الشبق المودع في كل من هذين القرينين.
وقوله:"و جعل بينكم مودة ورحمة"المودة كأنها الحب الظاهر أثره في مقام العمل فنسبة المودة إلى الحب كنسبة الخضوع الظاهر أثره في مقام العمل إلى الخشوع الذي هو نوع تأثر نفساني عن العظمة والكبرياء.
والرحمة نوع تأثر نفساني عن مشاهدة حرمان المحروم عن الكمال وحاجته إلى رفع نقيصته يدعو الراحم إلى إنجائه من الحرمان ورفع نقصه.