ثم هددوه بقولهم:"و لو لا رهطك لرجمناك"أي ولو لا هذا النفر القليل الذين هم عشيرتك لرجمناك لكنا نراعي جانبهم فيك ، وفي تقليل العشيرة إيماء إلى أنهم لو أرادوا قتله يوما قتلوه من غير أن يبالوا بعشيرته ، وإنما كفهم عن قتله نوع احترام وتكريم منهم لعشيرته.
ثم عقبوه بقولهم:"و ما أنت علينا بعزيز"تأكيدا لقولهم:"لو لا رهطك لرجمناك"أي لست بقوي منيع جانبا علينا حتى يمنعنا ذلك من قتلك بشر القتل ، وإنما يمنعنا رعاية جانب رهطك.
فمحصل قولهم إهانة شعيب وأنهم لا يعبئون به ولا بما قال ، وإنما يراعون في ترك التعرض له جانب رهطه.
قوله تعالى:"قال يا قوم أ رهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا"الظهري نسبة إلى الظهر بفتح الظاء المعجمة وإنما غير بالنسب وهو الشيء الذي وراء الظهر فيترك نسيا منسيا يقال: اتخذه وراءه ظهريا أي نسيه ولم يذكره ولم يعتن به.
وهذا نقض من شعيب لقولهم:"و لو لا رهطك لرجمناك"أي كيف تعززون رهطي وتحترمون جانبهم ، ولا تعززون الله سبحانه ولا تحترمون جانبه وإني أنا الذي أدعوكم إليه من جانبه؟ فهل رهطي أعز عليكم من الله؟ وقد جعلتموه نسيا منسيا وليس لكم ذلك وما كان لكم أن تفعلوه إن ربي بما تعملون محيط بما له من الإحاطة بكل شيء وجودا وعلما وقدرة.
وفي الآية طعن في رأيهم بالسفه كما طعنوا في الآية السابقة في رأيه بالهوان.
قوله تعالى:"و يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل"إلى آخر الآية.
قال في المجمع: ، المكانة الحال التي يتمكن بها صاحبها من عمل.
انتهى وهو في الأصل.
كما قيل - من مكن مكانة كضخم ضخامة إذا قوي على العمل كل القوة ويقال - تمكن من كذا أي أحاط به قوة.
وهذا تهديد من شعيب لهم أشد التهديد فإنه يشعر بأنه على وثوق مما يقول لا يأخذه قلق ولا اضطراب من كفرهم به وتمردهم عن دعوته فليعملوا على ما لهم من القوة والتمكن فلهم عملهم وله عمله فسوف يفاجئهم عذاب مخز يعلمون عند ذلك من هو الذي يأخذه العذاب.
هم أو هو؟ ويعلمون من هو كاذب؟ فليرتقبوا وهو معهم رقيب لا يفارقهم.
قوله تعالى:"و لما جاء أمرنا نجينا شعيبا - إلى قوله - جاثمين"تقدم ما يتضح به معنى الآية.
قوله تعالى:"كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود"غني في المكان إذا أقام فيه.
وقوله:"ألا بعدا لمدين"إلخ.
فيه لعنهم كما لعنت ثمود ، وقد تقدم بعض الكلام فيه في القصص السابقة.
في تفسير القمي ، قال: قال: بعث الله شعيبا إلى مدين وهي قرية على طريق الشام فلم يؤمنوا به.
وفي تفسير العياشي ، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قول الله:"إني أراكم بخير"قال: كان سعرهم رخيصا.
وفيه ، عن محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن انتظار الفرج فقال: أ وليس تعلم أن انتظار الفرج من الفرج؟ ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يقول:"و ارتقبوا إني معكم رقيب".
أقول: قوله: ليس تعلم بمعنى لا تعلم وهي لغة مولدة.
وفي المعاني ، بإسناده عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: فقوله عز وجل:"و ما توفيقي إلا بالله"وقوله عز وجل:"إن ينصركم الله فلا غالب لكم - وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده"؟ فقال: إذا فعل العبد ما أمر الله عز وجل به من الطاعة كان فعله وفقا لأمر الله عز وجل وسمي العبد موفقا ، وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي الله فحال الله تبارك وتعالى بينه وبين تلك المعصية فتركها كان تركه لها بتوفيق الله تعالى ، ومتى خلى بينه وبين المعصية فلم يحل بينه وبينها حتى يتركها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفقه.
أقول: محصل بيانه (عليه السلام) أن توفيقه تعالى وخذلانه من صفاته الفعلية فالتوفيق هو نظمه الأسباب بحيث تؤدي العبد إلى العمل الصالح أو عدم إيجاده بعض الأسباب التي يستعان بها على المعصية.
والخذلان خلاف ذلك.
وعلى ذلك فمتعلق التوفيق الأسباب لأنه إيجاد التوافق بينها وهي المتصفة بها ، وأما توصيف العبد به فمن قبيل الوصف بحال المتعلق.