فهو سبحانه الحاكم على الإطلاق والمطاع من غير قيد وشرط كما قال:"إن الحكم إلا لله"وقد أعطى حق الأمر والنهي والطاعة لرسله ولأولي الأمر وللمؤمنين من الأمة الإسلامية فلا حرية لأحد قبال كلمة الحق التي يأتون به ويدعون إليه ، قال تعالى:"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم:"النساء: - 59 ، وقال تعالى:"و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر:"التوبة: - 71.
قوله تعالى:"و يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح"الجرم بالفتح فالسكون - على ما ذكره الراغب - قطع الثمرة عن الشجر وقد استعير لكل اكتساب مكروه ، والشقاق المخالفة والمعاداة.
والمعنى: احذروا أن يكتسب لكم مخالفتي ومعاداتي بسبب ما أدعوكم إليه أصابه مصيبة مثل مصيبة قوم نوح وهي الغرق أو قوم هود وهي الريح العقيم أو قوم صالح وهي الصيحة والرجفة.
وقوله:"و ما قوم لوط منكم ببعيد"أي لا فصل كثيرا بين زمانهم وزمانكم وقد كانت الفاصلة الزمانية بين القومين أقل من ثلاثة قرون ، وقد كان لوط معاصرا لإبراهيم (عليه السلام) وشعيب معاصرا لموسى (عليه السلام) .
وقيل: المراد به نفي البعد المكاني ، والإشارة إلى أن بلادهم الخربة قريبة منكم لقرب مدين من سدوم وهو بالأرض المقدسة ، فالمعنى: وما مكان قوم لوط منكم ببعيد تشاهدون مدائنهم المخسوفة وآثارهم الباقية الظاهرة.
والسياق لا يساعد عليه والتقدير خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل.
قوله تعالى:"و استغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود"قد تقدم الكلام في معنى قوله:"و استغفروا ربكم ثم توبوا إليه"أي استغفروا الله من ذنوبكم وارجعوا إليه بالإيمان به وبرسوله إن الله ذو رحمة ومودة يرحم المستغفرين التائبين ويحبهم.
وقد قال أولا:"استغفروا ربكم فأضاف الرب إليهم ثم قال في مقام تعليله:"إن ربي رحيم ودود"ولعل الوجه فيه أنه ذكر في مرحلة الأمر بالاستغفار والتوبة من الله سبحانه صفة ربوبيته لأنها الصفة التي ترتبط بها العبادة ومنها الاستغفار والتوبة ، وأضاف ربوبيته إليهم بقوله:"ربكم"لتأكيد الارتباط وللإشعار بأنه هو ربهم لا ما يتخذونها من الأرباب من دون الله."
وكان من حق الكلام أن يقول في تعليله: إن ربكم رحيم ودود لكنه لما كان مع كونه تعليلا ثناء على الله سبحانه ، وقد أثبت سابقا أنه رب القوم إضافة ثانيا إلى نفسه ليفيد الكلام بمجموعه معنى أن ربكم وربي رحيم ودود.
على أن في هذه الإضافة معنى المعرفة والخبرة فتفيد تأييدا لصحة القول فإنه في معنى أنه تعالى رحيم ودود وكيف لا؟ وهو ربي أعرفه بهذين الوصفين.
والودود من أسماء الله تعالى ، وهو فعول من الود بمعنى الحب إلا أن المستفاد من موارد استعماله أنه نوع خاص من المحبة وهو الحب الذي له آثار وتبعات ظاهرة كالألفة والمراودة والإحسان ، قال تعالى:"و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة:"الروم: - 21.
والله سبحانه يحب عباده ويظهر آثار حبه بإفاضة نعمه عليهم"و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها:"إبراهيم: - 34 فهو تعالى ودود لهم.
قوله تعالى:"قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا"إلى آخر الآية ، الفقه أبلغ من الفهم وأقوى ، ورهط الرجل عشيرته وقومه ، وقيل: إنه من الثلاثة إلى السبعة أو العشرة وعلى هذا ففي قولهم: رهطك ، إشارة إلى قلتهم وهوان أمرهم ، والرجم هو الرمي بالحجارة.
لما حاجهم شعيب (عليه السلام) وأعياهم بحجته لم يجدوا سبيلا دون أن يقطعوا عليه كلامه من غير طريق الحجة فذكروا له: أولا: أن كثيرا مما يقوله غير مفهوم لهم فيذهب كلامه لغى لا أثر له ، وهذا كناية عن أنه يتكلم بما لا فائدة فيه.
ثم عقبوه بقولهم:"و إنا لنراك فينا ضعيفا"أي لا نفهم ما تقول ولست قويا فينا حتى تضطرنا قوتك على الاجتهاد في فهم كلامك والاهتمام بأخذه ، والسمع والقبول له فإنا لا نراك فينا إلا ضعيفا لا يعبأ بأمره ولا يلتفت إلى قوله.