فهرس الكتاب

الصفحة 2193 من 4314

هذا ما للإنسان بالقياس إلى أمثاله من بني نوعه ، وإما بالقياس إلى العلل والأسباب الكونية التي أوجدت الطبيعة الإنسانية فلا حرية له قبالها فإنها تملكه وتحيط به من جميع الجهات وتقلبه ظهرا لبطن ، وهي التي بإنشائها ونفوذ أمرها فعلت بالإنسان ما فعلت فأظهرته على ما هو عليه من البنيان والخواص من غير أن يكون له الخيرة من أمره فيقبل ما يحبه ويرد ما يكرهه بل كان كما أريد لا كما أراد حتى إن أعمال الإنسان الاختيارية وهي ميدان الحرية الإنسانية إنما تطيع الإنسان فيما أذنت فيه هذه العلل والأسباب فليس كل ما أحبه الإنسان وأراده بواقع ولا هو في كل ما اختاره لنفسه بموفق له ، وهو ظاهر.

وهذه العلل والأسباب هي التي جهزت الإنسان بجهازات تذكره حوائجه ونواقص وجوده ، وتبعثه إلى أعمال فيها سعادته وارتفاع نواقصه وحوائجه كالغاذية مثلا التي تذكره الجوع والعطش وتهديه إلى الخبز والماء لتحصيل الشبع والري وهكذا سائر الجهازات التي في وجوده.

ثم إن هذه العلل والأسباب أوجبت إيجابا تشريعيا على الإنسان الفرد أمورا ذات مصالح واقعية لا يسعه إنكارها ولا الاستنكاف بالاستغناء عنها كالأكل والشرب والإيواء والاتقاء من الحر والبرد والدفاع تجاه كل ما يضاد منافع وجوده.

ثم أفطرته بالحياة الاجتماعية فأذعن بوجوب تأسيس المجتمع المنزلي والمدني والسير في مسير التعاون والتعامل ، ويضطره ذلك إلى الحرمان عن موهبة الحرية من جهتين: إحداهما أن الاجتماع لا يتم من الفرد إلا بإعطائه الأفراد المتعاونين له حقوقا متقابلة محترمة عنده ليعطوه بإزائها حقوقا يحترمونها وذلك بأن يعمل للناس كما يعملون له ، وينفعهم بمقدار ما ينتفع بهم ، ويحرم عن الانطلاق والاسترسال في العمل على حسب ما يحرمهم فليس له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد بل هو حر فيما لا يزاحم حرية الآخرين ، وهذا حرمان عن بعض الحرية للحصول على بعضها.

وثانيتهما: أن المجتمع لا يقوم له صلب دون أن يجري فيه سنن وقوانين يتسلمها الأفراد المجتمعون أو أكثرهم تضمن تلك السنن والقوانين منافعهم العامة بحسب ما للاجتماع من الحياة الراقية أو المنحطة الردية ، ويستحفظ بها مصالحهم العالية الاجتماعية.

ومن المعلوم أن احترام السنن والقوانين يسلب الحرية عن المجتمعين في مواردها فالذي يستن سنة أو يقنن قانونا سواء كان هو عامة المجتمعين أو المندوبين منهم أو السلطان أو كان هو الله ورسوله - على حسب اختلاف السنن والقوانين - يحرم الناس بعض حريتهم ليحفظ به البعض الآخر منها ، قال الله تعالى:"و ربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة:"القصص: - 68 ، وقال تعالى:"و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا:"الأحزاب: - 36.

فتلخص أن الإنسان إنما هو حر بالقياس إلى أبناء نوعه فيما يقترحونه لهوى من أنفسهم ، وأما بالنسبة إلى ما تقتضيه مصالحه الملزمة وخاصة المصالح الاجتماعية العامة على ما تهديه إليها وإلى مقتضياتها العلل والأسباب فلا حرية له البتة ، ولا أن الدعوة إلى سنة أو أي عمل يوافق المصالح الإنسانية من ناحية القانون أو من بيده إجراؤه أو الناصح المتبرع الذي يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر متمسكا بحجة بينة ، من التحكم الباطل وسلب الحرية المشروعة في شيء.

ثم إن العلل والأسباب المذكورة وما تهدي إليه من المصالح مصاديق لإرادة الله سبحانه أو إذنه - على ما يهدي إليه ويبينه تعليم التوحيد في الإسلام - فهو سبحانه المالك على الإطلاق ، وليس لغيره إلا المملوكية من كل جهة ، ولا للإنسان إلا العبودية محضا فمالكيته المطلقة تسلب أي حرية متوهمة للإنسان بالنسبة إلى ربه كما أنها هي تعطيه الحرية بالقياس إلى سائر بني نوعه كما قال تعالى:"ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله:"آل عمران: - 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت