فهرس الكتاب

الصفحة 2192 من 4314

فرد عليهم شعيب (عليه السلام) بأن الذي يدعوهم إليه ليس من قبل نفسه حتى ينافي مسألتهم ذلك حريتهم ويبطل به استقلالهم في الشعور والإرادة بل هو رسول من ربهم إليهم وله على ذلك آية بينة ، والذي أتاهم به من عند الله الذي يملكهم ويملك كل شيء وهم عباده لا حرية لهم قباله ، ولا خيرة لهم فيما يريده منهم.

على أن الذي ألقاه إليهم من الأمور التي فيها صلاح مجتمعهم وسعادة أنفسهم في الدنيا والآخرة ، وأمارة ذلك أنه لا يريد أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه بل هو مثلهم في العمل به ، وإنما يريد الإصلاح ما استطاع ، ولا يريد منهم على ذلك أجرا إن أجره إلا على رب العالمين.

وقوله:"و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب"في مقام الاستثناء من الاستطاعة فإنه (عليه السلام) لما ذكر لهم أنه يريد إصلاح مجتمعهم بالعلم النافع والعمل الصالح على مقدار ما له من الاستطاعة وفي ضوئها أثبت لنفسه استطاعة وقدرة وليست للعبد باستقلاله وحيال نفسه استطاعة دون الله سبحانه أتم ما في كلامه من النقص والقصور بقوله:"و ما توفيقي إلا بالله"أي إن الذي يترشح من إرادتي باستطاعة مني من تدبير أمور مجتمعكم وتوفيق الأسباب بعضها ببعض الناتجة لسعادته إنما هو بالله سبحانه لا غنى عنه ولا مخرج من إحاطته ولا استقلال في أمر دونه فهو الذي أعطاني ما هو عندي من الاستطاعة ، وهو الذي يوفق الأسباب من طريق استطاعتي فاستطاعتي منه وتوفيقي به.

بين (عليه السلام) هذه الحقيقة ، واعترف بأن توفيقه بالله ، وذلك من فروع كونه تعالى هو الفاطر لكل نفس والحافظ عليها والقائم على كل نفس بما كسبت كما قال:"الحمد لله فاطر السماوات والأرض:"الفاطر: - 1 ، وقال:"و ربك على كل شيء حفيظ:"السبأ: - 21 ، وقال:"أ فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت:"الرعد: - 33 ، وقال:"إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا:"الفاطر: - 41 ومحصله أنه تعالى هو الذي أبدع الأشياء وأعمالها والروابط التي بينها وأظهرها بالوجود ، وهو الذي قبض على كل شيء فأمسكه وأمسك آثاره والروابط التي بينها أن تزول وتغيب وراء ستر البطلان.

ولازم ذلك أنه تعالى وكيل كل شيء في تدبير أموره فهي منسوبة إليه تعالى في تحققها وتحقق الروابط التي بينها لما أنه محيط بها قاهر عليها ولها مع ذلك نسبة إلى ذلك الشيء بإذنه تعالى.

ومن الواجب للعبد العالم بمقام ربه العارف بهذه الحقيقة أن يمثلها بإنشاء التوكل على ربه والإنابة والرجوع إليه ، ولذلك لما ذكر شعيب (عليه السلام) أن توفيقه بالله عقبه بإنشاء التوكل والإنابة فقال:"عليه توكلت وإليه أنيب".

كلام في معنى حرية الإنسان في عمله

الإنسان بحسب الخلقة موجود ذو شعور وإرادة له أن يختار لنفسه ما يشاء من الفعل وبعبارة أخرى له في كل فعل يقف عليه أن يختار جانب الفعل وله أن يختار جانب الترك فكل فعل من الأفعال الممكنة الإتيان إذا عرض عليه كان هو بحسب الطبع واقفا بالنسبة إليه على نقطة يلتقي فيها طريقان: الفعل والترك فهو مضطر في التلبس والاتصاف بأصل الاختيار لكنه مختار في الأفعال المنتسبة إليه الصادرة عنه باختياره أي إنه مطلق العنان بالنسبة إلى الفعل والترك بحسب الفطرة غير مقيد بشيء من الجانبين ولا مغلول ، وهو المراد بحرية الإنسان تكوينا.

ولازم هذه الحرية التكوينية حرية أخرى تشريعية يتقلد بها في حياته الاجتماعية وهو أن له أن يختار لنفسه ما شاء من طرق الحياة ويعمل بما شاء من العمل ، وليس لأحد من بني نوعه أن يستعلي عليه فيستعبده ويتملك إرادته وعمله فيحمل بهوى نفسه عليه ما يكرهه فإن أفراد النوع أمثال لكل منهم ما لغيره من الطبيعة الحرة ، قال تعالى:"و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله:"آل عمران: - 64 وقال:"و ما كان لبشر - إلى أن قال - ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله:"آل عمران: - 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت