و قوله:"و جعلنا من الماء كل شيء حي"ظاهر السياق أن الجعل بمعنى الخلق و"كل شيء حي"مفعوله والمراد أن للماء دخلا تاما في وجود ذوي الحياة كما قال:"و الله خلق كل دابة من ماء:"النور: 45 ، ولعل ورود القول في سياق تعداد الآيات المحسوسة يوجب انصراف الحكم بغير الملائكة ومن يحذو حذوهم ، وقد اتضح ارتباط الحياة بالماء بالأبحاث العلمية الحديثة.
قوله تعالى:"و جعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون"قال في المجمع ،: الرواسي الجبال رست ترسو رسوا إذا ثبتت بثقلها فهي راسية كما ترسو السفينة إذا وقفت متمكنة في وقوفها ، والميد الاضطراب بالذهاب في الجهات ، والفج الطريق الواسع بين الجبلين.
انتهى.
والمعنى: وجعلنا في الأرض جبالا ثوابت لئلا تميل وتضطرب الأرض بهم وجعلنا في تلك الجبال طرقا واسعة هي سبل لعلهم يهتدون منها إلى مقاصدهم ومواطنهم.
وفيه دلالة على أن للجبال ارتباطا خاصا بالزلازل ولولاها لاضطربت الأرض بقشرها.
قوله تعالى:"و جعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون"كأن المراد بكون السماء محفوظة حفظها من الشياطين كما قال:"و حفظناها من كل شيطان رجيم:"الحجر: 17 ، والمراد بآيات السماء الحوادث المختلفة السماوية التي تدل على وحدة التدبير واستناده إلى موجدها الواحد.
قوله تعالى:"و هو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون"الآية ظاهرة في إثبات الفلك لكل من الليل وهو الظل المخروطي الملازم لوجه الأرض المخالف لمسامتة الشمس ، والنهار وهو خلاف الليل ، وللشمس والقمر فالمراد بالفلك مدار كل منها.
والمراد مع ذلك بيان الأوضاع والأحوال الحادثة بالنسبة إلى الأرض وفي جوها وإن كانت حال الأجرام الأخر على خلاف ذلك فلا ليل ولا نهار يقابله للشمس وسائر الثوابت ، التي هي نيرة بالذات وللقمر وسائر السيارات الكاسبة للنور من الليل والنهار غير ما لنا.
وقوله:"يسبحون"من السبح بمعنى الجري في الماء بخرقه قيل وإنما قال: يسبحون لأنه أضاف إليها فعل العقلاء كما قال:"و الشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين:"يوسف: 4.
في المحاسن ، بإسناده عن يونس رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ليس من باطل يقوم بإزاء حق إلا غلب الحق الباطل وذلك قول الله:"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق".
وفيه ، بإسناده عن أيوب بن الحر قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) : يا أيوب ما من أحد إلا وقد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه قبله أم تركه وذلك أن الله يقول في كتابه:"بل نقذف بالحق على الباطل - فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون".
أقول: والروايتان مبنيتان على تعميم الآية.
وفي العيون ، في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) في هاروت وماروت في حديث: أن الملائكة معصومون محفوظون عن الكفر والقبائح بألطاف الله تعالى قال الله تعالى فيهم:"لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"وقال عز وجل:"و له من في السماوات والأرض ومن عنده يعني الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون - يسبحون الليل والنهار لا يفترون".
وفي نهج البلاغة ، قال (عليه السلام) في وصف الملائكة: ومسبحون لا يسأمون ، ولا يغشاهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ، ولا غفلة النسيان.
أقول: وبه يضعف ما في بعض الروايات أن الملائكة ينامون كما في كتاب كمال الدين بإسناده عن داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله: أنه سئل عن الملائكة أ ينامون؟ فقال: ما من حي إلا وهو ينام خلا الله وحده: فقلت: يقول الله عز وجل:"يسبحون الليل والنهار لا يفترون"؟ قال: أنفاسهم تسبيح.
على أن الرواية ضعيفة.
وفي التوحيد ، بإسناده عن هشام بن الحكم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما الدليل على أن الله واحد؟ قال: اتصال التدبير وتمام الصنع كما قال عز وجل:"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا".
أقول: وهو يؤيد ما قدمناه في تقرير الدليل.