فهرس الكتاب

الصفحة 999 من 4314

و مع ذلك لم يهمل الإسلام أمر الرحمة بما أنها من مواهب التكوين ، فأمر بنشر الرحمة عموما ، ونهى عن زجر الحيوان في القتل ، ونهى عن قطع أعضاء الحيوان المذبوح وسلخه قبل زهاق روحه - ومن هذا الباب تحريم المنخنقة والموقوذة - ونهى عن قتل الحيوان وآخر ينظر إليه ، ووضع للتذكية أرفق الأحكام بالحيوان المذبوح وأمر بعرض الماء عليه ونحو ذلك مما يوجد تفصيله في كتب الفقه.

ومع ذلك كله الإسلام دين التعقل لا دين العاطفة فلا يقدم حكم العاطفة على الأحكام المصلحة لنظام المجتمع الإنساني ولا يعتبر منه إلا ما اعتبره العقل ، ومرجع ذلك إلى اتباع حكم العقل.

وأما حديث الرحمة الإلهية وأنه تعالى أرحم الراحمين ، فهو تعالى غير متصف بالرحمة بمعنى رقة القلب أو التأثر الشعوري الخاص الباعث للراحم على التلطف بالمرحوم ، فإن ذلك صفة جسمانية مادية تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، بل معناها إفاضته تعالى الخير على مستحقه بمقدار ما يستحقه ، ولذلك ربما كان ما نعده عذابا رحمة منه تعالى وبالعكس ، فليس من الجائز في الحكمة أن يبطل مصلحة من مصالح التدبير في التشريع اتباعا لما تقترحه عاطفة الرحمة الكاذبة التي فينا ، أو يساهل في جعل الشرائع محاذية للواقعيات.

فتبين من جميع ما مر أن الإسلام يحاكي في تجويز أكل اللحوم وفي القيود التي قيد بها الإباحة والشرائط التي اشترطها جميعا أمر الفطرة: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم!.

3 -لما ذا بني الإسلام على التذكية؟

وهذا سؤال آخر يتفرع على السؤال المتقدم ، وهو أنا سلمنا أن أكل اللحوم مما تبيحه الفطرة والخلقة فهلا اقتصر في ذلك بما يحصل على الصدفة ونحوها بأن يقتصر في اللحوم بما يهيئه الموت العارض حتف الأنف ، فيجمع في ذلك بين حكم التكوين بالجواز ، وحكم الرحمة بالإمساك عن تعذيب الحيوان وزجره بالقتل أو الذبح من غير أن يعدل عن ذلك إلى التذكية والذبح؟.

وقد تبين الجواب عنه مما تقدم في الفصل الثاني ، فإن الرحمة بهذا المعنى غير واجب الاتباع بل اتباعه يفضي إلى إبطال أحكام الحقائق.

وقد عرفت أن الإسلام مع ذلك لم يأل جهدا في الأمر بإعمال الرحمة قدر ما يمكن في هذا الباب حفظا لهذه الملكة اللطيفة بين النوع.

على أن الاقتصار على إباحة الميتة وأمثالها مما لا ينتج التغذي به إلا فساد المزاج ومضار الأبدان هو بنفسه خلاف الرحمة ، وبعد ذلك كله لا يخلو عن الحرج العام الواجب نفيه.

في تفسير العياشي ، عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزلت آية:"يا أيها الذين آمنوا"إلا وعلي شريفها وأميرها ، ولقد عاتب الله أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير: . أقول: وروي في تفسير البرهان ، عن موفق بن أحمد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: مثله إلى قوله: وأميرها. ورواه أيضا العياشي عن عكرمة.

وقد نقلنا الحديث سابقا عن الدر المنثور.

وفي بعض الروايات عن الرضا (عليه السلام) قال: ليس في القرآن"يا أيها الذين آمنوا"إلا في حقنا وهو من الجري أو من باطن التنزيل.

وفيه ، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود قال: العهود: . أقول: ورواه القمي ، أيضا في تفسيره عنه. وفي التهذيب ، مسندا عن محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن قول الله عز وجل:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"فقال: الجنين في بطن أمه إذا أشعر وأوبر فذكاته ذكاة أمه الذي عنى الله تعالى: . أقول: والحديث مروي في الكافي ، والفقيه ، عنه عن أحدهما ، وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره عن محمد بن مسلم عن أحدهما ، وعن زرارة عن الصادق (عليه السلام) ، ورواه القمي في تفسيره ، ورواه في المجمع ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت