فهرس الكتاب

الصفحة 998 من 4314

ربما يسأل السائل فيقول إن الحيوان ذو روح شاعرة بما يشعر به الإنسان من ألم العذاب ومرارة الفناء والموت وغريزة حب الذات التي تبعثنا إلى الحذر من كل مكروه والفرار من ألم العذاب والموت تستدعي الرحمة لغيرنا من أفراد النوع لأنه يؤلمهم ما يؤلمنا ، ويشق عليهم ما يشق علينا ، والنفوس سواء.

وهذا القياس جار بعينه في سائر أنواع الحيوان ، فكيف يسوغ لنا أن نعذبهم بما نتعذب به ، ونبدل لهم حلاوة الحياة من مرارة الموت ، ونحرمهم نعمة البقاء التي هي أشرف نعمة؟ والله سبحانه أرحم الراحمين فكيف يسع رحمته أن يأمر بقتل حيوان ليلتذ به إنسان وهما جميعا في أنهما خلقه سواء؟.

والجواب عنه أنه من تحكيم العواطف على الحقائق والتشريع إنما يتبع المصالح الحقيقية دون العواطف الوهمية.

توضيح ذلك أنك إذا تتبعت الموجودات التي تحت مشاهدتك بالميسور مما عندك وجدتها في تكونها وبقائها تابعة لناموس التحول ، فما من شيء إلا وفي إمكانه أن يتحول إلى آخر ، وأن يتحول الآخر إليه بغير واسطة أو بواسطة ، لا يوجد واحد إلا ويعدم آخر ، ولا يبقى هذا إلا ويفني ذاك ، فعالم المادة عالم التبديل ، والتبدل وإن شئت فقل: عالم الآكل والمأكول.

فالمركبات الأرضية تأكل الأرض بضمها إلى أنفسها وتصويرها بصورة تناسبها أو تختص بها ثم الأرض تأكلها وتفنيها.

ثم النبات يتغذى بالأرض ويستنشق الهواء ثم الأرض تأكله وتجزئه إلى أجزائه الأصلية وعناصره الأولية ، ولا يزال أحدهما يراجع الآخر.

ثم الحيوان يتغذى بالنبات والماء ويستنشق الهواء ، وبعض أنواعه يتغذى ببعض كالسباع تأكل لحوم غيرها بالاصطياد ، وجوارح الطير تأكل أمثال الحمام والعصافير لا يسعها بحسب جهاز التغذي الذي يخصها إلا ذلك ، وهي تتغذى بالحبوب وأمثال الذباب والبق والبعوض وهي تتغذى بدم الإنسان وسائر الحيوان ونحوه ، ثم الأرض تأكل الجميع.

فنظام التكوين وناموس الخلقة الذي له الحكومة المطلقة المتبعة على الموجودات هو الذي وضع حكم التغذي باللحوم ونحوها ، ثم هدى أجزاء الوجود إلى ذلك ، وهو الذي سوى الإنسان تسوية صالحة للتغذي بالحيوان والنبات جميعا.

وفي مقدم جهازه الغذائي أسنانه المنضودة نضدا صالحا للقطع والكسر والنهش والطحن من ثنايا ورباعيات وأنياب وطواحن ، فلا هو مثل الغنم والبقر من الأنعام لا تستطيع قطعا ونهشا ، ولا هو كالسباع لا تستطيع طحنا ومضغا.

ثم القوة الذائقة المعدة في فمه التي تستلذ طعم اللحوم ثم الشهوة المودعة في سائر أعضاء هضمه جميع هذه تستطيب اللحوم وتشتهيها.

كل ذلك هداية تكوينية وإباحة من مؤتمن الخلقة ، وهل يمكن الفرق بين الهداية التكوينية ، وإباحة العمل المهدي إليه بتسليم أحدهما وإنكار الآخر؟.

والإسلام دين فطري لا هم له إلا إحياء آثار الفطرة التي أعفتها الجهالة الإنسانية ، فلا مناص من أن يستباح به ما تهدي إليه الخلقة وتقضي به الفطرة.

وهو كما يحيي بالتشريع هذا الحكم الفطري يحيي أحكاما أخرى وضعها واضع التكوين ، وهو ما تقدم ذكره من الموانع من الاسترسال في حكم التغذي أعني حكم العقل بوجوب اجتناب ما فيه ضرر جسماني أو معنوي من اللحوم ، وحكم الإحساسات والعواطف الباطنية بالتحذر والامتناع عما يستقذره ويتنفر منه الطباع المستقيمة ، وهذان الحكمان أيضا ينتهي أصولهما إلى تصرف من التكوين ، وقد اعتبرهما الإسلام فحرم ما يضر نماء الجسم ، وحرم ما يضر بمصالح المجتمع الإنساني ، مثل ما أهل به لغير الله ، وما اكتسب من طريق الميسر والاستقسام بالأزلام ونحو ذلك ، وحرم الخبائث التي تستقذرها الطباع.

وأما حديث الرحمة المانعة من التعذيب والقتل فلا شك أن الرحمة موهبة لطيفة تكوينية أودعت في فطرة الإنسان وكثير مما اعتبرنا حاله من الحيوان ، إلا أن التكوين لم يوجدها لتحكم في الأمور حكومة مطلقة وتطاع طاعة مطلقة ، فالتكوين نفسه لا يستعمل الرحمة استعمالا مطلقا ، ولو كان ذلك لم يوجد في دار الوجود أثر من الآلام والأسقام والمصائب وأنواع العذاب.

ثم الرحمة الإنسانية في نفسها ليست خلقا فاضلا على الإطلاق كالعدل ، ولو كان كذلك لم يحسن أن نؤاخذ ظالما على ظلمه أو نجازي مجرما على جرمه ولا أن نقابل عدوانا بعدوان وفيه هلاك الأرض ومن عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت