فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 4314

فالمجيء والإتيان الذي هو عندنا قطع الجسم مسافة بينه وبين جسم آخر بالحركة واقترابه منه إذا جرد عن خصوصية المادة كان هو حصول القرب ، وارتفاع المانع والحاجز بين شيئين من جهة من الجهات ، وحينئذ صح إسناده إليه تعالى حقيقة من غير مجاز: فإتيانه تعالى إليهم ارتفاع الموانع بينهم وبين قضائه فيهم ، وهذه من الحقائق القرآنية التي لم يوفق الأبحاث البرهانية لنيله إلا بعد إمعان في السير ، وركوبها كل سهل ووعر ، وإثبات التشكيك في الحقيقة الوجودية الأصيلة.

وكيف كان فهذه الآية تتضمن الوعيد الذي ينبىء عنه قوله سبحانه في الآية السابقة: إن الله عزيز حكيم ، ومن الممكن أن يكون وعيدا بما سيستقبل القوم في الآخرة يوم القيامة كما هو ظاهر قوله تعالى في نظير الآية:"هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك:"النحل - 33 ، ومن الممكن أن يكون وعيدا بأمر متوقع الحصول في الدنيا كما يظهر بالرجوع إلى ما في سورة يونس بعد قوله تعالى:"و لكل أمة رسول:"يونس - 47 ، وما في سورة الروم بعد قوله تعالى:"و أقم وجهك للدين حنيفا:"الروم - 30 ، وما في سورة الأنبياء وغيرها على أن الآخرة آجلة هذه العاجلة وظهور تام لما في هذه الدنيا ، ومن الممكن أيضا أن يكون وعيدا بما سيقع في الدنيا والآخرة معا ، وكيف كان فقوله في ظلل من الغمام يشتمل من المعنى على ما يناسب مورده.

قوله تعالى: وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ، السكوت عن ذكر فاعل القضاء ، وهو الله سبحانه كما يدل عليه قوله: وإلى الله ترجع الأمور ، لإظهار الكبرياء على ما يفعله الأعاظم في الأخبار عن وقوع أحكامهم وصدور أوامرهم وهو كثير في القرآن.

قد تقدم في قوله تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا الآية عدة روايات تؤيد ما ذكرناه من معنى اتباع خطوات الشيطان فارجع ، وفي بعض الروايات أن السلم هو الولاية وهو من الجري على ما مر مرارا في نظائره.

وفي التوحيد ، والمعاني ، عن الرضا (عليه السلام) : في قوله تعالى:"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام"قال: يقول: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام وهكذا نزلت ، وعن قول الله عز وجل."و جاء ربك والملك"صفا صفا قال: إن الله عز وجل لا يوصف بالمجيء والذهاب ، تعالى عن الانتقال وإنما يعني به وجاء أمر ربك والملك صفا صفا.

أقول: قوله (عليه السلام) يقول هل ينظرون ، معناه يريد هل ينظرون فهو تفسير للآية وليس من قبيل القراءة.

والمعنى الذي ذكره هو بعينه ما قربناه من كون المراد بإتيانه تعالى إتيان أمره فإن الملائكة إنما تعمل ما تعمل وتنزل حين تنزل بالأمر ، قال تعالى:"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون:"الأنبياء - 27 ، وقال تعالى:"ينزل الملائكة بالروح من أمره:"النحل - 2.

وهاهنا معنى آخر احتمله بعضهم وهو أن يكون الاستفهام الإنكاري في قوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله"إلخ"، لإنكار مجموع الجملة لا لإنكار المدخول فقط ، والمعنى أن هؤلاء لا ينتظرون إلا أمرا محالا وهو: أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام كما يأتي الجسم إلى الجسم ويأتي معه الملائكة فيأمرهم وينهاهم وهو محال ، فهو كناية عن استحالة تقويمهم بهذه المواعظ والتنبيهات ، وفيه: أنه لا يلائم ما مر: أن الآيات ذات سياق واحد ولازمه أن يكون الكلام متوجها إلى حال المؤمنين ، والمؤمنون لا يلائم حالهم مثل هذا البيان ، على أن الكلام لو كان مسوقا لإفادة ذلك لم يخل من الرد عليهم كما هو دأب القرآن في أمثال ذلك كقوله تعالى:"و قال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا: الفرقان - 21 ، وقوله تعالى:"و قالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه:"الأنبياء - 26."

على أنه لم يكن حينئذ وجه لقوله تعالى: في ظلل من الغمام ، ولا نكتة ظاهرة لبقية الكلام وهو ظاهر.

اعلم أنه ورد عن أئمة أهل البيت تفسير الآية بيوم القيامة كما في تفسير العياشي ، عن الباقر (عليه السلام) ، وتفسيرها بالرجعة كما رواه الصدوق عن الصادق (عليه السلام) ، وتفسيرها بظهور المهدي (عليه السلام) كما رواه العياشي في تفسيره ، عن الباقر (عليه السلام) بطريقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت