و نظائره كثيرة فإذا تصفحت وجدت شيئا كثيرا من الآيات ورد تفسيرها عن أئمة أهل البيت تارة بالقيامة وأخرى بالرجعة وثالثة بالظهور ، وليس ذلك إلا لوحدة وسنخية بين هذه المعاني ، والناس لما لم يبحثوا عن حقيقة يوم القيامة ولم يستفرغوا الوسع في الكشف عما يعطيه القرآن من هوية هذا اليوم العظيم تفرقوا في أمر هذه الروايات ، فمنهم من طرح هذه الروايات ، وهي مات وربما زادت على خمسمائة رواية في أبواب متفرقة ، ومنهم من أولها على ظهورها وصراحتها ، ومنهم - وهم أمثل طريقة - من ينقلها ويقف عليها من غير بحث.
وغير الشيعة وهم عامة المسلمين وإن أذعنوا بظهور المهدي ورووه بطرق متواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنهم أنكروا الرجعة وعدوا القول بها من مختصات الشيعة ، وربما لحق بهم في هذه الأعصار بعض المنتسبين إلى الشيعة ، وعد ذلك من الدس الذي عمله اليهود وبعض المتظاهرين بالإسلام كعبد الله بن سبإ وأصحابه ، وبعضهم رام إبطال الرجعة بما زعمه من الدليل العقلي فقال: ما حاصله:"أن الموت بحسب العناية الإلهية لا يطرأ على حي حتى يستكمل كمال الحياة ويخرج من القوة إلى الفعل في كل ما له من الكمال فرجوعه إلى الدنيا بعد موته رجوع إلى القوة وهو بالفعل ، هذا محال إلا أن يخبر به مخبر صادق وهو الله سبحانه أو خليفة من خلفائه كما أخبر به في قصص موسى وعيسى وإبراهيم (عليهما السلام) وغيرهم."
ولم يرد منه تعالى ولا منهم في أمر الرجعة شيء وما يتمسك به المثبتون غير تام ، ثم أخذ في تضعيف الروايات فلم يدع منها صحيحة ولا سقيمة ، هذا.
ولم يدر هذا المسكين أن دليله هذا لو تم دليلا عقليا أبطل صدره ذيله فما كان محالا ذاتيا لم يقبل استثناء ولم ينقلب بإخبار المخبر الصادق ممكنا ، وأن المخبر بوقوع المحال لا يكون صادقا ولو فرض صدقه في إخباره أوجب ذلك اضطرارا تأويل كلامه إلى ما يكون ممكنا كما لو أخبر بأن الواحد ليس نصف الاثنين ، وأن كل صادق فهو بعينه كاذب.
وما ذكره من امتناع عود ما خرج من القوة إلى الفعل إلى القوة ثانيا حق لكن الصغرى ممنوعة فإنه إنما يلزم المحال المذكور في إحياء الموتى ورجوعهم إلى الدنيا بعد الخروج عنها إذا كان ذلك بعد الموت الطبيعي الذي افترضوه ، وهو أن تفارق النفس البدن بعد خروجها من القوة إلى الفعل خروجا تاما ثم مفارقتها البدن بطباعها.
وأما الموت الاخترامي الذي يكون بقسر قاسر كقتل أو مرض فلا يستلزم الرجوع إلى الدنيا بعده محذورا ، فإن من الجائز أن يستعد الإنسان لكمال موجود في زمان بعد زمان حياته الدنيوية الأولى فيموت ثم يحيى لحيازة الكمال المعد له في الزمان الثاني ، أو يستعد لكمال مشروط بتخلل حياة ما في البرزخ فيعود إلى الدنيا بعد استيفاء الشرط ، فيجوز على أحد الفرضين الرجعة إلى الدنيا من غير محذور المحال وتمام الكلام موكول إلى غير هذا المقام.
وأما ما ناقشه في كل واحد من الروايات ففيه: أن الروايات متواترة معنى عن أئمة أهل البيت ، حتى عد القول بالرجعة عند المخالفين من مختصات الشيعة وأئمتهم من لدن الصدر الأول ، والتواتر لا يبطل بقبول آحاد الروايات للخدشة والمناقشة ، على أن عدة من الآيات النازلة فيها ، والروايات الواردة فيها تامة الدلالة قابلة الاعتماد ، وسيجيء التعرض لها في الموارد المناسبة لها كقوله تعالى:"و يوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا:"النمل: 83 وغيره من الآيات.
على أن الآيات بنحو الإجمال دالة عليها كقوله تعالى:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم:"البقرة - 214 ، ومن الحوادث الواقعة قبلنا ما وقع من إحياء الأموات كما قصه القرآن من قصص إبراهيم وموسى وعيسى وعزير وأرميا وغيرهم ، وقد قال رسول الله فيما رواه الفريقان:"و الذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة لا تخطئون طريقهم ولا يخطئكم سنن بني إسرائيل".
على أن هذه القضايا التي أخبرنا بها أئمة أهل البيت من الملاحم المتعلقة بآخر الزمان ، وقد أثبتها النقلة والرواة في كتب محفوظة النسخ عندنا سابقة تأليفا وكتابة على الوقوع بقرون وأزمنة طويلة نشاهد كل يوم صدق شطر منها من غير زيادة ونقيصة فلنحقق صحة جميعها وصدق جميع مضامينها.