فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 4314

و كيف كان لا ينبغي الشك في أن في الآية تحويلا ما للجواب إلى جواب آخر تنبيها على أن الأحق هو السؤال عن من ينفق عليهم ، وإلا فكون الإنفاق من الخير والمال ظاهر ، والتحول من معنى إلى آخر للتنبيه على ما ينبغي التحول إليه والاشتغال به كثير الورود في القرآن ، وهو من ألطف الصنائع المختصة به كقوله تعالى:"و مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء:"البقرة - 171 وقوله تعالى:"مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا كمثل ريح فيها صر:"آل عمران - 117 وقوله تعالى:"مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل:"البقرة - 261 ، وقوله تعالى:"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم:"الشعراء - 89 ، وقوله تعالى:"قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا:"الفرقان - 57 ، وقوله تعالى:"سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين:"الصافات - 160 ، إلى غير ذلك من كرائم الآيات.

قوله تعالى: وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ، في تبديل الإنفاق من فعل الخير هاهنا كتبديل المال من الخير في أول الآية إيماء إلى أن الإنفاق وإن كان مندوبا إليه من قليل المال وكثيره ، غير أنه ينبغي أن يكون خيرا يتعلق به الرغبة وتقع عليه المحبة كما قال تعالى:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون:"آل عمران - 92 ، وكما قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه:"البقرة - 267.

وإيماء إلى أن الإنفاق ينبغي أن لا يكون على نحو الشر كالإنفاق بالمن والأذى كما قال تعالى:"ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى:"البقرة - 262 ، وقوله تعالى:"و يسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو:"البقرة - 219.

في الدر المنثور ، عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب محمد ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن ، منهن: يسئلونك عن الخمر والميسر ، ويسألونك عن الشهر الحرام ، ويسئلونك عن اليتامى ، ويسئلونك عن المحيض ، ويسئلونك عن الأنفال ، ويسئلونك ما ذا ينفقون ، ما كانوا يسألون إلا عما كان ينفعهم.

في المجمع ،: في الآية نزلت في عمرو بن الجموح ، وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير ، فقال: يا رسول الله بما ذا أتصدق؟ وعلى من أتصدق؟ فأنزل الله هذه الآية: أقول: ورواه في الدر المنثور ، عن ابن المنذر عن ابن حيان ، وقد استضعفوا الرواية ، وهي مع ذلك غير منطبق على الآية حيث لم يوضع في الآية إلا السؤال عما يتصدق به دون من يتصدق عليه.

ونظيرها في عدم الانطباق ما رواه أيضا عن ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريح قال: سأل المؤمنون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أين يضعون أموالهم؟ فنزلت يسئلونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ، فذلك النفقة في التطوع ، والزكاة سوى ذلك كله.

ونظيرها في ذلك أيضا ما رواه عن السدي ، قال: يوم نزلت هذه الآية لم يكن زكاة ، وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله ، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة.

أقول: وليست النسبة بين آية الزكاة:"خذ من أموالهم صدقة:"التوبة - 104 ، وبين هذه الآية نسبة النسخ وهو ظاهر إلا أن يعني بالنسخ معنى آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت