فهرس الكتاب

الصفحة 2640 من 4314

لا ريب أن قانون العلية والمعلولية ثابت وأن الموجود الممكن معلول له سبحانه إما بلا واسطة معها ، وأن المعلول إذا نسب إلى علته التامة كان له منها الضرورة والوجوب إذ ما لم يجب لم يوجد ، وإذا لم ينسب إليها كان له الإمكان سواء أخذ في نفسه ولم ينسب إلى شيء كالماهية الممكنة في ذاتها أو نسب إلى بعض أجزاء علته التامة فإنه لو أوجب ضرورته ووجوبه كان علة له تامة والمفروض خلافه.

ولما كانت الضرورة هي تعين أحد الطرفين وخروج الشيء عن الإبهام كانت الضرورة المنبسطة على سلسلة الممكنات من حيث انتسابها إلى الواجب تعالى الموجب لكل منها في ظرفه الذي يخصه قضاء عاما منه تعالى كما أن الضرورة الخاصة بكل واحد منها قضاء خاص به منه ، إذ لا نعني بالقضاء إلا فصل الأمر وتعيينه عن الإبهام والتردد.

ومن هنا يظهر أن القضاء من صفاته الفعلية وهو منتزع من الفعل من جهة نسبته إلى علته التامة الموجبة له.

والروايات في تأييد ما تقدم كثيرة جدا: ففي المحاسن ، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : إن الله إذا أراد شيئا قدره فإذا قدره قضاه فإذا قضاه أمضاه.

وفيه ، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن إسحاق قال: قال: أبو الحسن (عليه السلام) ليونس مولى علي بن يقطين: يا يونس لا تتكلم بالقدر قال: إني لا أتكلم بالقدر ولكن أقول: لا يكون إلا ما أراد الله وشاء وقضى وقدر فقال ليس هكذا أقول ولكن أقول: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى. ثم قال: أ تدري ما المشية؟ فقال: لا فقال: همه بالشيء أ وتدري ما أراد؟ قال: لا قال: إتمامه على المشية فقال: أ وتدري ما قدر؟ قال: لا ، قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء ثم قال إن الله إذا شاء شيئا أراده وإذا أراد قدره وإذا قدره قضاه وإذا قضاه أمضاه الحديث.

وفي رواية أخرى عن يونس عنه (عليه السلام) قال: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى. قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه. قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه. قلت: فما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضى فذلك الذي لا مرد له وفي التوحيد ، عن الدقاق عن الكليني عن ابن عامر عن المعلى قال: سئل العالم (عليه السلام) كيف علم الله؟ قال: علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى فأمضى ما قضى وقضى ما قدر وقدر ما أراد فبعلمه كانت المشية وبمشيته كانت الإرادة وبإرادته كان التقدير وبتقديره كان القضاء وبقضائه كان الإمضاء فالعلم متقدم على المشية والمشية ثانية والإرادة ثالثة والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء فلله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء وفيما أراد لتقدير الأشياء فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء.

الحديث.

والذي ذكره (عليه السلام) من ترتب المشية على العلم والإرادة على المشية وهكذا ترتب عقلي بحسب صحة الانتزاع.

وفيه ، بإسناده عن ابن نباتة قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له: يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله عز وجل.

أقول: وذلك أن القدر لا يحتم المقدر فمن المرجو أن لا يقع ما قدر أما إذا كان القضاء فلا مدفع له ، والروايات في المعاني المتقدمة كثيرة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .

في أن الفيض مطلق غير محدود على ما يفيده قوله تعالى:"و ما كان عطاء ربك محظورا".

أطبقت البراهين على أن وجود الواجب تعالى بما أنه واجب لذاته مطلق غير محدود بحد ولا مقيد بقيد ولا مشروط بشرط وإلا انعدم فيما وراء حده وبطل على تقدير عدم قيده أو شرطه وقد فرض واجبا لذاته فهو واحد وحدة لا يتصور لها ثان ومطلق إطلاقا لا يتحمل تقييدا.

وقد ثبت أيضا أن وجود ما سواه أثر مجعول له وأن الفعل ضروري المسانخة لفاعله فالأثر الصادر منه واحد بوحدة حقه ظلية مطلق غير محدود وإلا تركبت ذاته من حد ومحدود وتألفت من وجود وعدم وسرت هذه المناقضة الذاتية إلى ذات فاعله لمكان المسانخة بين الفاعل وفعله ، وقد فرض أنه واحد مطلق فالوجود الذي هو فعله ، وأثره المجعول واحد غير كثير ومطلق غير محدود وهو المطلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت