يَسئَلُونَك مَا ذَا أُحِلّ لهَُمْ قُلْ أُحِلّ لَكُمُ الطيِّبَت وَمَا عَلّمْتُم مِّنَ الجَْوَارِح مُكلِّبِينَ تُعَلِّمُونهُنّ ممّا عَلّمَكُمُ اللّهُ فَكلُوا ممّا أَمْسكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سرِيعُ الحِْسابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلّ لَكُمُ الطيِّبَت وَطعَامُ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب حِلّ لّكمْ وَطعَامُكُمْ حِلّ لهُّمْ وَالمُْحْصنَت مِنَ المُْؤْمِنَتِ وَالمُْحْصنَت مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ محْصِنِينَ غَيرَ مُسفِحِينَ وَلا مُتّخِذِى أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالايمَنِ فَقَدْ حَبِط عَمَلُهُ وَهُوَ في الاَخِرَةِ مِنَ الخَْسِرِينَ (5)
قوله تعالى:"يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات"سؤال مطلق أوجب عنه بجواب عام مطلق فيه إعطاء الضابط الكلي الذي يميز الحلال من الحرام ، وهو أن يكون ما يقصد التصرف فيه بما يعهد في مثله من التصرفات أمرا طيبا ، وإطلاق الطيب أيضا من غير تقييده بشيء يوجب أن يكون المعتبر في تشخيص طيبه استطابة الأفهام المتعارفة ذلك فما يستطاب عند الأفهام العادية فهو طيب ، وجميع ما هو طيب حلال.
وإنما نزلنا الحلية والطيب على المتعارف المعهود لمكان أن الإطلاق لا يشمل غيره على ما بين في فن الأصول.
قوله تعالى:"و ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه"قيل: إن الكلام معطوف على موضع الطيبات أي وأحل لكم ما علمتم من الجوارح أي صيد ما علمتم من الجوارح ، فالكلام بتقدير مضاف محذوف اختصارا لدلالة السياق عليه.
والظاهر أن الجملة معطوفة على موضع الجملة الأولى.
و"ما"في قوله:"و ما علمتم"شرطية وجزاؤها قوله"فكلوا مما أمسكن عليكم"من غير حاجة إلى تكلف التقدير.
والجوارح جمع جارحة وهي التي تكسب الصيد من الطير والسباع كالصقر والبازي والكلاب والفهود ، وقوله:"مكلبين"حال ، وأصل التكليب تعليم الكلاب وتربيتها للصيد أو اتخاذ كلاب الصيد وإرسالها لذلك ، وتقييد الجملة بالتكليب لا يخلو من دلالة على كون الحكم مختصا بكلب الصيد لا يعدوه إلى غيره من الجوارح.
وقوله:"مما أمسكن عليكم"التقييد بالظرف للدلالة على أن الحل محدود بصورة صيدها لصاحبها لا لنفسها.
وقوله:"و اذكروا اسم الله عليه"تتميم لشرائط الحل وأن يكون الصيد مع كونه مصطادا بالجوارح ومن طريق التكليب والإمساك على الصائد مذكورا عليه اسم الله تعالى.
ومحصل المعنى أن الجوارح المعلمة بالتكليب - أي كلاب الصيد - إذا كانت معلمة واصطادت لكم شيئا من الوحش الذي يحل أكله بالتذكية وقد سميتم عليه فكلوا منه إذا قتلته دون أن تصلوا إليه فذلك تذكية له ، وأما دون القتل فالتذكية بالذبح والإهلال به لله يغني عن هذا الحكم.
ثم ذيل الكلام بقوله:"و اتقوا الله إن الله سريع الحساب"إشعارا بلزوم اتقاء الله فيه حتى لا يكون الاصطياد إسرافا في القتل ، ولا عن تله وتجبر كما في صيد اللهو ونحوه فإن الله سريع الحساب يجازي سيئة الظلم والعدوان في الدنيا قبل الآخرة ، ولا يسلك أمثال هذه المظالم والعدوانات بالاغتيال والفك بالحيوان العجم إلا إلى عاقبة سوأى على ما شاهدنا كثيرا.
قوله تعالى:"اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم"إعادة ذكر حل الطيبات مع ذكره في الآية السابقة ، وتصديره بقوله:"اليوم"للدلالة على الامتنان منه تعالى على المؤمنين بإحلال طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم للمؤمنين.
وكان ضم قوله:"أحل لكم الطيبات"إلى قوله:"و طعام الذين أوتوا الكتاب"إلخ من قبيل ضم المقطوع به إلى المشكوك فيه لإيجاد الطمأنينة في نفس المخاطب وإزالة ما فيه من القلق والاضطراب كقول السيد لخادمه: لك جميع ما ملكتكه وزيادة هي كذا وكذا فإنه إذا ارتاب في تحقق ما يعده سيده من الإعطاء شفع ما يشك فيه بما يقطع به ليزول عن نفسه أذى الريب إلى راحة العلم ، ومن هذا الباب يوجه قوله تعالى:"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة": يونس: 26 وقوله تعالى:"لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق: 35.