فهرس الكتاب

الصفحة 1009 من 4314

فكان نفوس المؤمنين لا تسكن عن اضطراب الريب في أمر حل طعام أهل الكتاب لهم بعد ما كانوا يشاهدون التشديد التام في معاشرتهم ومخالطتهم ومساسهم وولايتهم حتى ضم إلى حديث حل طعامهم أمر حل الطيبات بقول مطلق ففهموا منه أن طعامهم من سنخ سائر الطيبات المحللة فسكن بذلك طيش نفوسهم ، واطمأنت قلوبهم وكذلك القول في قوله:"و المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم". وأما قوله:"و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم"فالظاهر أنه كلام واحد ذو مفاد واحد ، إذ من المعلوم أن قوله:"و طعامكم حل لهم"ليس في مقام تشريع حكم الحل لأهل الكتاب ، وتوجيه التكليف إليهم وإن قلنا بكون الكفار مكلفين بالفروع الدينية كالأصول ، فإنهم غير مؤمنين بالله ورسوله وبما جاء به رسوله ولا هم يسمعون ولا هم يقبلون ، وليس من دأب القرآن أن يوجه خطابا أو يذكر حكما إذا استظهر من المقام أن الخطاب معه يكون لغوا والتكليم معه يذهب سدى.

اللهم إلا إذا أصلح ذلك بشيء من فنون التكليم كالالتفات من خطاب الناس إلى خطاب النبي ونحو ذلك كقوله:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم": آل عمران: 64 وقوله:"قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": إسراء: 93 إلى غير ذلك من الآيات.

وبالجملة ليس المراد بقوله:"و طعام الذين"، بيان حل طعام أهل الكتاب للمسلمين حكما مستقلا وحل طعام المسلمين لأهل الكتاب حكما مستقلا آخر ، بل بيان حكم واحد وهو ثبوت الحل وارتفاع الحرمة عن الطعام ، فلا منع في البين حتى يتعلق بأحد الطرفين نظير قوله تعالى:"فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن": الممتحنة: 10 أي لا حل في البين حتى يتعلق بأحد الطرفين.

ثم إن الطعام بحسب أصل اللغة كل ما يقتات به ويطعم لكن قيل: إن المراد به البر وسائر الحبوب ففي لسان العرب: وأهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به البر خاصة.

قال: وقال الخليل: العالي في كلام العرب أن الطعام هو البر خاصة ، انتهى.

وهو الذي يظهر من كلام ابن الأثير في النهاية ، ولهذا ورد في أكثر الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) : أن المراد بالطعام في الآية هو البر وسائر الحبوب إلا ما في بعض الروايات مما يظهر به معنى آخر وسيجيء الكلام فيه في البحث الروائي الآتي.

وعلى أي حال لا يشمل هذا الحل ما لا يقبل التذكية من طعامهم كلحم الخنزير ، أو يقبلها من ذبائحهم لكنهم لم يذكوها كالذي لم يهل به لله ، ولم يذك تذكية إسلامية فإن الله سبحانه عد هذه المحرمات المذكورة في آيات التحريم - وهي الآي الأربع التي في سور البقرة والمائدة والأنعام والنحل - رجسا وفسقا وإثما كما بيناه فيما مر ، وحاشاه سبحانه أن يحل ما سماه رجسا أو فسقا أو إثما امتنانا بمثل قوله"اليوم أحل لكم الطيبات".

على أن هذه المحرمات بعينها واقعة قبيل هذه الآية في نفس السورة ، وليس لأحد أن يقول في مثل المورد بالنسخ وهو ظاهر ، وخاصة في مثل سورة المائدة التي ورد فيها أنها ناسخة غير منسوخة.

قوله تعالى:"و المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، الإتيان في متعلق الحكم بالوصف أعني ما في قوله:"الذين أوتوا الكتاب"من غير أن يقال: من اليهود والنصارى مثلا أو يقال: من أهل الكتاب ، لا يخلو من إشعار بالعلية واللسان لسان الامتنان ، والمقام مقام التخفيف والتسهيل ، فالمعنى: أنا نمتن عليكم بالتخفيف والتسهيل في رفع حرمة الازدواج بين رجالكم والمحصنات من نساء أهل الكتاب لكونهم أقرب إليكم من سائر الطوائف غير المسلمة ، وهم أوتوا الكتاب وأذعنوا بالتوحيد والرسالة بخلاف المشركين والوثنيين المنكرين للنبوة ، ويشعر بما ذكرنا أيضا تقييد قوله:"أوتوا الكتاب"بقوله:"من قبلكم"فإن فيه إشعارا واضحا بالخطط والمزج والتشريك.

وكيف كان لما كانت الآية واقعة موقع الامتنان والتخفيف لم تقبل النسخ بمثل قوله تعالى:"و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن": البقرة: 212 وقوله تعالى:"و لا تمسكوا بعصم الكوافر": الممتحنة: 10 وهو ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت