على أن الآية الأولى واقعة في سورة البقرة ، وهي أول سورة مفصلة نزلت بالمدينة قبل المائدة: وكذا الآية الثانية واقعة في سورة الممتحنة ، وقد نزلت بالمدينة قبل الفتح ، فهي أيضا قبل المائدة نزولا ، ولا وجه لنسخ السابق للاحق مضافا إلى ما ورد: أن المائدة آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنسخت ما قبلها ، ولم ينسخها شيء.
على أنك قد عرفت في الكلام على قوله تعالى:"و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن": الآية البقرة: 212 في الجزء الثاني من الكتاب أن الآيتين أعني آية البقرة وآية الممتحنة أجنبيتان من الدلالة على حرمة نكاح الكتابية.
ولو قيل بدلالة آية الممتحنة بوجه على التحريم كما يدل على سبق المنع الشرعي ورود آية المائدة في مقام الامتنان والتخفيف - ولا امتنان ولا تخفيف لو لم يسبق منع - كانت آية المائدة هي الناسخة لآية الممتحنة لا بالعكس لأن النسخ شأن المتأخر ، وسيأتي في البحث الروائي كلام في الآية الثانية.
ثم المراد بالمحصنات في الآية: العفائف وهو أحد معان الإحصان ، وذلك أن قوله:"و المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ، يدل على أن المراد بالمحصنات غير ذوات الأزواج وهو ظاهر ، ثم الجمع بين المحصنات من أهل الكتاب والمؤمنات على ما مر من توضيح معناها يقضي بأن المراد بالمحصنات في الموضعين معنى واحد ، وليس هو الإحصان بمعنى الإسلام لمكان قوله: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ، وليس المراد بالمحصنات الحرائر فإن الامتنان المفهوم من الآية لا يلائم تخصيص الحل بالحرائر دون الإماء ، فلم يبق من معاني الإحصان إلا العفة فتعين أن المراد بالمحصنات العفائف."
وبعد ذلك كله إنما تصرح الآية بتشريع حل المحصنات من أهل الكتاب للمؤمنين من غير تقييد بدوام أو انقطاع إلا ما ذكره من اشتراط الأجر وكون التمتع بنحو الإحصان لا بنحو المسافحة واتخاذ الأخدان ، فينتج أن الذي أحل للمؤمنين منهن أن يكون على طريق النكاح عن مهر وأجر دون السفاح ، من غير شرط آخر من نكاح دوام أو انقطاع ، وقد تقدم في قوله تعالى:"فما استمتعتم به منهن فأتوهن": الآية النساء: 24 في الجزء الرابع من الكتاب أن المتعة نكاح كالنكاح الدائم ، وللبحث بقايا تطلب من علم الفقه.
قوله تعالى:"إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان"الآية في مساق قوله تعالى في آيات محرمات النكاح:"و أحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين": النساء: 24. والجملة قرينة على كون المراد بالآية بيان حلية التزوج بالمحصنات من أهل الكتاب من غير شمول منها لملك اليمين.
قوله تعالى:"و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين"الكفر في الأصل هو الستر فتحقق مفهومه يتوقف على أمر ثابت يقع عليه الستر كما أن الحجاب لا يكون حجابا إلا إذا كان هناك محجوب فالكفر يستدعي مكفورا به ثابتا كالكفر بنعمة الله والكفر بآيات الله والكفر بالله ورسوله واليوم الآخر.
فالكفر بالإيمان يقتضي وجود إيمان ثابت ، وليس المراد به المعنى المصدري من الإيمان بل معنى اسم المصدر وهو الأثر الحاصل والصفة الثابتة في قلب المؤمن أعني الاعتقادات الحقة التي هي منشأ الأعمال الصالحة ، فيئول معنى الكفر بالإيمان إلى ترك العمل بما يعلم أنه حق كتولي المشركين ، والاختلاط بهم ، والشركة في أعمالهم مع العلم بحقية الإسلام ، وترك الأركان الدينية من الصلاة والزكاة والصوم والحج مع العلم بثبوتها أركانا للدين.
فهذا هو المراد من الكفر بالإيمان لكن هاهنا نكتة وهي أن الكفر لما كان سترا وستر الأمور الثابتة لا يصدق بحسب ما يسبق إلى الذهن إلا مع المداومة والمزاولة فالكفر بالإيمان إنما يصدق إذا ترك الإنسان العمل بما يقتضيه إيمانه ، ويتعلق به علمه ، ودام عليه ، وأما إذا ستر مرة أو مرتين من غير أن يدوم عليه فلا يصدق عليه الكفر وإنما هو فسق أتى به.
ومن هنا يظهر أن المراد بقوله:"و من يكفر بالإيمان"هو المداومة والاستمرار عليه وإن كان عبر بالفعل دون الوصف.
فتارك الاتباع لما حق عنده من الحق ، وثبت عنده من أركان الدين كافر بالإيمان ، حابط العمل كما قال تعالى:"فقد حبط عمله".