فالآية تنطبق على قوله تعالى:"و إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون": الأعراف: 174 فوصفهم باتخاذ سبيل الغي وترك سبيل الرشد بعد رؤيتهما وهي العلم بهما ثم بدل ذلك بتوصيفهم بتكذيب الآيات ، والآية إنما تكون آية بعد العلم بدلالتها ، ثم فسره بتكذيب الآخرة لما أن الآخرة لو لم تكذب منع العلم بها عن ترك الحق ، ثم أخبر بحبط أعمالهم.
ونظير ذلك قوله تعالى:"قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا": الكهف: 150 وانطباق الآيات على مورد الكفر بالإيمان بالمعنى الذي تقدم بيانه ظاهر.
وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر وجه اتصال الجملة أعني قوله:"و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، بما قبله فالجملة متممة للبيان السابق ، وهي في مقام التحذير عن الخطر الذي يمكن أن يتوجه إلى المؤمنين بالتساهل في أمر الله ، والاسترسال مع الكفار فإن الله سبحانه إنما أحل طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم للمؤمنين ليكون ذلك تسهيلا وتخفيفا منه لهم ، وذريعة إلى انتشار كلمة التقوى ، وسراية الأخلاق الطاهرة الإسلامية من المسلمين المتخلقين بها إلى غيرهم ، فيكون داعية إلى العلم النافع ، وباعثة نحو العمل الصالح.
فهذا هو الغرض من التشريع لا لأن يتخذ ذلك وسيلة إلى السقوط في مهابط الهوى ، والإصعاد في أودية الهوسات ، والاسترسال في حبهن والغرام بهن ، والتوله في جمالهن ، فيكن قدوة تتسلط بذلك أخلاقهن وأخلاق قومهن على أخلاق المسلمين ، ويغلب فسادهن على صلاحهم ، ثم يكون البلوى ويرجع المؤمنون إلى أعقابهم القهقرى ، ومآل ذلك عود هذه المنة الإلهية فتنة ومحنة مهلكة ، وصيرورة هذا التخفيف الذي هو نعمة نقمة.
فحذر الله المؤمنين بعد بيان حلية طعامهم والمحصنات من نسائهم أن لا يسترسلوا في التنعم بهذه النعمة استرسالا يؤدي إلى الكفر بالإيمان ، وترك أركان الدين ، والإعراض عن الحق فإن ذلك يوجب حبط العمل ، وينجر إلى خسران السعي في الآخرة.
واعلم أن للمفسرين في هذه الآية أعني قوله:"اليوم أحل لكم الطيبات"إلى آخر الآية خوضا عظيما ردهم إلى تفاسير عجيبة لا يحتملها ظاهر اللفظ ، وينافيها سياق الآية كقول بعضهم: إن قوله:"أحل لكم الطيبات"يعني من الطعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ، وقول بعضهم: إن قوله:"و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"أي بمقتضى الأصل الأولي لم يحرمه الله عليكم قط ، وإن اللحوم من الحل وإن لم يذكوها إلا بما عندهم من التذكية ، وقول بعضهم: إن المراد بقوله:"و طعام الذين"هو مؤاكلتهم ، وقول بعضهم: إن المراد بقوله: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"بيان الحلية بحسب الأصل من غير أن يكون محرما قبل ذلك بل قوله تعالى:"و أحل لكم ما وراء ذلكم": النساء: 24 كاف في إحلالهن ، وقول بعضهم: إن المراد بقوله:"و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"التحذير عن رد ما في صدر الآية من قضية حل طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم."
فهذه وأمثالها معان احتملوها ، وهي بين ما لا يخلو من مجازفة وتحكم كتقييد قوله:"اليوم أحل"، بما تقدم من غير دليل عليه وبين ما يدفعه ظاهر السياق من التقييد باليوم والامتنان والتخفيف وغير ذلك مما تقدم بيانه والبيان السابق الذي استظهرنا فيه باعتبار ظواهر الآيات الكريمة كاف في إبطالها وإبانة وجه الفساد فيها.
وأما كون آية:"و أحل لكم ما وراء ذلكم"دالة على حل نكاح الكتابية فظاهر البطلان لظهور كون الآية في مقام بيان محرمات النساء ومحللاتهن بحسب طبقات النسب والسبب لا بحسب طبقات الأديان والمذاهب.