و الضمير في قوله:"من فضله"راجع إلى الله سبحانه ، قال في المجمع ،: وإنما لم يقل: من فضلهما لأنه لا يجمع بين اسم الله واسم غيره في الكناية تعظيما لله ، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن سمعه يقول:"من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى": بئس خطيب القوم أنت فقال: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قل: ومن يعص الله ورسوله ، وهكذا القول في قوله سبحانه:"و الله ورسوله أحق أن يرضوه"وقيل: إنما لم يقل من فضلهما لأن فضل الله منه وفضل رسوله من فضله ، انتهى كلامه.
وهناك وراء التعظيم أمر آخر قدمنا القول فيه في تفسير قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة:"المائدة: - 73 في الجزء السادس من الكتاب ، وهو أن وحدته تعالى ليست من سنخ الوحدة العددية حتى يصح بذلك تأليفها مع وحدة غيره واستنتاج عدد من الأعداد منه.
ثم بين الله سبحانه لهؤلاء المنافقين أن لهم مع هذه الذنوب المهلكة وصريح كفرهم بالله وهمهم بما لم ينالوا أن يرجعوا إلى ربهم ، وبين عاقبة أمر هذه التوبة وعاقبة التولي والإعراض عنها فقال:"فإن يتوبوا يك خيرا لهم"لأدائه إلى المغفرة والجنة"و إن يتولوا"ويعرضوا عن التوبة"يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا"بالسياسة والنكال أو بإغراء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم أو بالمكر والاستدراج ، ولو لم يكن من عذابهم إلا أنهم مخالفون بنفاقهم نظام الأسباب المبني على الصدق والإيمان فتقادمهم سلسلة الأسباب وتحطمهم وتفضحهم لكان فيه كفاية ، وقد قال الله:"و الله لا يهدي القوم الفاسقين:"التوبة: - 24"و الآخرة"بعذاب النار.
وقوله تعالى:"و ما لهم في الأرض من ولي ولا نصير"معناه أن هؤلاء لا ولي لهم في الأرض يتولى أمرهم ويصرف العذاب عنهم ، ولا نصير ينصرهم ويمدهم بما يدفعون به العذاب الموعود عن أنفسهم لأن سائر المنافقين أيضا منهم وكلمة الفساد يجمعهم وأصلهم الفاسد منقطع عن سائر الأسباب الكونية فلا ولي لهم يتولى أمرهم ولا ناصر لهم ينصرهم ولعل هذه الجملة من الآية إشارة إلى ما أومأنا إليه في معنى عذاب الدنيا.
في المجمع ،: في قوله تعالى:"يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة"الآية ، قيل: نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند رجوعه من تبوك فأخبر جبرئيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك ، وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم. وعمار كان يقود دابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحذيفة يسوقها فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم ، فضربها حتى نحاهم فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال: لم أعرف منهم أحدا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنه فلان وفلان حتى عدهم كلهم فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره أن تقول العرب: لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم: عن ابن كيسان. وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) : مثله إلا أنه قال: ائتمروا بينهم ليقتلوه وقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنما كنا نخوض ونلعب ، وإن لم يفطن نقتله.
وقيل: إن جماعة من المنافقين قالوا في غزوة تبوك: يظن هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات ، فأطلع الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك فقال: احبسوا على الركب ، فدعاهم فقال لهم: قلتم كذا وكذا.
فقالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب وحلفوا على ذلك فنزلت الآية:"و لئن سألتهم ليقولن"إلخ ، عن الحسن وقتادة.
وقيل: كان ذلك عند منصرفه من غزوة تبوك إلى المدينة وكان بين يديه أربعة نفر أو ثلاثة يستهزءون ويضحكون ، وأحدهم يضحك ولا يتكلم فنزل جبرئيل وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك فدعا عمار بن ياسر وقال: إن هؤلاء يستهزءون بي وبالقرآن أخبرني جبرئيل بذلك ، ولئن سألتهم ليقولن: كنا نتحدث بحديث الركب فاتبعهم عمار وقال: مم تضحكون؟ قالوا: نتحدث بحديث الركب فقال عمار: صدق الله ورسوله احترقتم أحرقكم الله ، فأقبلوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعتذرون فأنزل الله تعالى الآيات.
عن الكلبي وعلي بن إبراهيم وأبي حمزة.