فهرس الكتاب

الصفحة 1957 من 4314

قوله تعالى:"يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير"جهاد القوم ومجاهدتهم بذل غاية الجهد في مقاومتهم وهو يكون باللسان وباليد حتى ينتهي إلى القتال ، وشاع استعماله في الكتاب في القتال وإن كان ربما استعمل في غيره كما في قوله:"و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"الآية.

واستعماله في قتال الكفار على رسله لكونهم متجاهرين بالخلاف والشقاق ، وأما المنافقون فهم الذين لا يتظاهرون بكفر ولا يتجاهرون بخلاف ، وإنما يبطنون الكفر ويقلبون الأمور كيدا ومكرا ولا معنى للجهاد معهم بمعنى قتالهم ومحاربتهم؟ ولذلك ربما يسبق إلى الذهن أن المراد بجهادهم مطلق ما تقتضيه المصلحة من بذل غاية الجهد في مقاومتهم فإن اقتضت المصلحة هجروا ولم يخالطوا ولم يعاشروا ، وإن اقتضت وعظوا باللسان ، وإن اقتضت أخرجوا وشردوا إلى غير الأرض أو قتلوا إذا أخذ عليهم الردة ، أو غير ذلك.

وربما شهد لهذا المعنى أعني كون المراد بالجهاد في الآية مطلق بذل الجهد تعقيب قوله:"جاهد الكفار والمنافقين"بقوله:"و أغلظ عليهم"أي شدد عليهم وعاملهم بالخشونة.

وأما قوله:"و مأواهم جهنم وبئس المصير"فهو عطف على ما قبله من الأمر ، ولعل الذي هون الأمر في عطف الإخبار على الإنشاء هو كون الجملة السابقة في معنى قولنا:"إن هؤلاء الكفار والمنافقين مستوجبون للجهاد".

والله أعلم.

قوله تعالى:"يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا"الآية.

سياق الآية يشعر بأنهم أتوا بعمل سيىء وشفعوه بقول تفوهوا به عند ذلك ، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عاتبهم على قولهم مؤاخذا لهم فحلفوا بالله ما قالوا كما تقدم في قوله:"و لئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب"إلى آخر الآية إنهم كانوا يعتذرون بذلك عن عملهم أنه كان خوضا ولعبا لا غير ذلك.

والله سبحانه يكذبهم في الأمرين جميعا: أما في إنكارهم القول فبقوله:"و لقد قالوا كلمة الكفر"وفسره ثانيا بقوله:"و كفروا بعد إسلامهم"للدلالة على جد القول فيتفرع عليه الكفر بعد الإسلام.

ولعله قال هاهنا:"و كفروا بعد إسلامهم"وقد قيل سابقا:"قد كفرتم بعد إيمانكم"لأن القول السابق للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الجاري على ظاهر حالهم وهو الإيمان الذي كانوا يدعونه ويتظاهرون به ، والقول الثاني لله العالم بالغيب والشهادة فيشهد بأنهم لم يكونوا مؤمنين ولم يتعدوا الشهادتين بلسانهم فهم كانوا مسلمين لا مؤمنين ، وقد كفروا بقولهم وخرجوا عن الإسلام إلى الكفر ، وفي هذا إيماء إلى أن قولهم كان كلمة فيه الرد على الشهادتين أو إحداهما.

أو لأن القول الأول في قبال عملهم الذي أرادوا إيقاع الشر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والعمل الخالي من القول وهو لم يصب الغرض لا يضر بالإسلام الذي هو نصيب اللفظ والشهادة ، وإنما يضر بالإيمان الذي هو نصيب الاعتقاد ، والقول الثاني في قبال قولهم الذي تفوهوا به ، وهو ينافي الإسلام الذي يكتسب باللفظ دون الإيمان الذي هو نوع من الاعتقاد القلبي.

وأما في إنكارهم العمل السيىء الذي أتوا به وتأويلهم إياه إلى الخوض واللعب فبقوله:"و هموا بما لم ينالوا".

ثم قال في مقام ذمهم وتعييرهم:"و ما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله"أي بسبب أن أغناهم الله ورسوله ، أي كان سبب نقمتهم هذه أن الله أغناهم من فضله بما رزقهم من الغنائم وبسط عليهم الأمن والرفاهية فمكنهم من توليد الثروة وإنماء المال من كل جهة ، وكذا رسوله حيث هداهم إلى عيشة صالحة تفتح عليهم أبواب بركات السماء والأرض ، وقسم بينهم الغنائم وبسط عليهم العدل.

فهو من قبيل وضع الشيء موضع ضده: وضع فيه الإغناء وهو بحسب الطبع سبب للرضى والشكر موضع سبب النقمة والسخطة كالظلم والغضب وإن شئت قلت: وضع فيه الإحسان موضع الإساءة ، ففيه نوع من التهكم المشوب بالذم نظير ما في قوله تعالى:"و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون:"الواقعة: - 82 أي تجعلون رزقكم سببا للتكذيب بآيات الله وهو سبب بحسب الطبع لشكر النعمة والرضا بالموهبة على ما قيل: إن المعنى: وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت