فهرس الكتاب

الصفحة 2238 من 4314

12 سورة يوسف - 1 - 3

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الر تِلْك ءَايَت الْكِتَبِ الْمُبِينِ (1) إِنّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَنًا عَرَبِيّا لّعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نحْنُ نَقُص عَلَيْك أَحْسنَ الْقَصصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كنت مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَفِلِينَ (3)

غرض السورة بيان ولاية الله لعبده الذي أخلص إيمانه له تعالى إخلاصا وامتلأ بمحبته تعالى لا يبتغي له بدلا ولم يلو إلى غيره تعالى من شيء ، وأن الله تعالى يتولى هو أمره فيربيه أحسن تربية فيورده مورد القرب ويسقيه فيرويه من مشرعه الزلفى فيخلصه لنفسه ويحييه حياة إلهية وإن كانت الأسباب الظاهرة أجمعت على هلاكه ، ويرفعه وإن توفرت الحوادث على ضعته ، ويعزه وإن دعت النوائب ورزايا الدهر إلى ذلته وحط قدره.

وقد بين تعالى ذلك بسرد قصة يوسف الصديق (عليه السلام) .

ولم يرد في سور القرآن الكريم تفصيل قصة من القصص باستقصائها من أولها إلى آخرها غير قصته (عليه السلام) ، وقد خصت السورة بها من غير شركة ما من غيرها.

فقد كان (عليه السلام) عبدا مخلصا في عبوديته فأخلصه الله لنفسه وأعزه بعزته وقد تجمعت الأسباب على إذلاله وضعته فكلما ألقته في إحدى المهالك أحياه الله تعالى من نفس السبيل التي كانت تسوقه إلى الهلاكة: حسده إخوته فألقوه في غيابة الجب ثم شروه بثمن بخس دراهم معدودة فذهب به ذلك إلى مصر وأدخله في بيت الملك والعزة ، راودته التي هو في بيتها عن نفسه واتهمته عند العزيز ولم تلبث دون أن اعترفت عند النسوة ببراءته ثم اتهمته وأدخلته السجن فكان ذلك سبب قربه عند الملك ، وكان قميصه الملطخ بالدم الذي جاءوا به إلى أبيه يعقوب أول يوم هو السبب الوحيد في ذهاب بصره فصار قميصه بعينه وقد أرسله بيد إخوته من مصر إلى أبيه آخر يوم هو السبب في عود بصره إليه ، وعلى هذا القياس.

وبالجملة كلما نازعه شيء من الأسباب المخالفة أو اعترضه في طريق كماله جعل الله تعالى ذلك هو السبب في رشد أمره ونجاح طلبته ، ولم يزل سبحانه يحوله من حال إلى حال حتى آتاه الحكم والملك واجتباه وعلمه من تأويل الأحاديث وأتم نعمته عليه كما وعده أبوه.

وقد بدأ الله سبحانه قصته بذكر رؤيا رآها في بادىء الأمر وهو صبي في حجر أبيه والرؤيا من المبشرات ثم حقق بشارته وأتم كلمته فيه بما خصه به من التربية الإلهية ، وهذا هو شأنه تعالى في أوليائه كما قال تعالى:"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم": يونس: 64.

وفي قوله تعالى بعد ذكر رؤيا يوسف وتعبير أبيه (عليه السلام) لها:"لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين"إشعار بأنه كان هناك قوم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عما يرجع إلى هذه القصة ، وهو يؤيد ما ورد أن قوما من اليهود بعثوا مشركي مكة أن يسألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سبب انتقال بني إسرائيل إلى مصر وقد كان يعقوب (عليه السلام) ساكنا في أرض الشام فنزلت السورة.

وعلى هذا فالغرض بيان قصته (عليه السلام) وقصة آل يعقوب ، وقد استخرج تعالى ببيانه ما هو الغرض العالي منها وهو طور ولاية الله لعباده المخلصين كما هو اللائح من مفتتح السورة ومختتمها ، والسورة مكية على ما يدل عليه سياق آياتها ، وما ورد في بعض الروايات عن ابن عباس أن أربعا من آياتها مدنية ، وهي الآيات الثلاث التي في أولها ، وقوله"لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين"مدفوع بما تشتمل عليه من السياق الواحد.

قوله تعالى:"الر تلك آيات الكتاب المبين"الإشارة بلفظ البعيد للتعظيم والتفخيم ، والظاهر أن يكون المراد بالكتاب المبين هذا القرآن المتلو وهو مبين واضح في نفسه ومبين موضح لغيره ما ضمنه الله تعالى من المعارف الإلهية وحقائق المبدأ والمعاد.

وقد وصف الكتاب في الآية بالمبين لا كما في قوله في أول سورة يونس:"تلك آيات الكتاب الحكيم"لكون هذه السورة نازلة في شأن قصة آل يعقوب وبيانها ، ومن المحتمل أن يكون المراد بالكتاب المبين اللوح المحفوظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت