قوله تعالى:"إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون"الضمير للكتاب بما أنه مشتمل على الآيات الإلهية والمعارف الحقيقية ، وإنزاله قرآنا عربيا هو إلباسه في مرحلة الإنزال لباس القراءة والعربية ، وجعله لفظا متلوا مطابقا لما يتداوله العرب من اللغة كما قال تعالى في موضع آخر"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ، وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف: 4.
وقوله:"لعلكم تعقلون"من قبيل توسعة الخطاب وتعميمه فإن السورة مفتتحة بخطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"تلك آيات الكتاب"، وعلى ذلك يجري بعد كما في قوله:"نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك"إلخ.
فمعنى الآية - والله أعلم - أنا جعلنا هذا الكتاب المشتمل على الآيات في مرحلة النزول ملبسا بلباس اللفظ العربي محلى بحليته ليقع في معرض التعقل منك ومن قومك أو أمتك ، ولو لم يقلب في وحيه في قالب اللفظ المقرو أو لم يجعل عربيا مبينا لم يعقل قومك ما فيه من أسرار الآيات بل اختص فهمه بك لاختصاصك بوحيه وتعليمه.
وفي ذلك دلالة ما على أن لألفاظ الكتاب العزيز من جهة تعينها بالاستناد إلى الوحي وكونها عربية دخلا في ضبط أسرار الآيات وحقائق المعارف ، ولو أنه أوحى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعناه وكان اللفظ الحاكي له لفظه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في الأحاديث القدسية مثلا أو ترجم إلى لغة أخرى خفي بعض أسرار آياته البينات عن عقول الناس ولم تنله أيدي تعقلهم وفهمهم.
وعنايته تعالى فيما أوحى من كتابه باللفظ مما لا يرتاب فيه المتدبر في كلامه كيف؟ وقد قسمه إلى المحكمات والمتشابهات وجعل المحكمات أم الكتاب ترجع إليها المتشابهات قال تعالى:"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات": آل عمران: 7 وقال تعالى أيضا:"و لقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين": النحل 103.
قوله تعالى:"نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين"قال الراغب في المفردات ،: القص تتبع الأثر يقال: قصصت أثره ، والقصص الأثر قال: فارتدا على آثارهما قصصا ، وقالت لأخته قصيه.
قال: والقصص الأخبار المتتبعة قال تعالى: لهو القصص الحق.
في قصصهم عبرة ، وقص عليه القصص ، نقص عليك أحسن القصص.
انتهى فالقصص هو القصة وأحسن القصص أحسن القصة والحديث ، وربما قيل: إنه مصدر بمعنى الاقتصاص.
فإن كان اسم مصدر فقصة يوسف (عليه السلام) أحسن قصة لأنها تصف إخلاص التوحيد في العبودية ، وتمثل ولاية الله سبحانه لعبده وأنه يربيه بسلوكه في صراط الحب ورفعه من حضيض الذلة إلى أوج العزة ، وأخذه من غيابة جب الإسارة ومربط الرقية وسجن النكال والنقمة إلى عرش العزة وسرير الملك.
وإن كان مصدرا فالاقتصاص عن قصته بالطريق الذي اقتص سبحانه به أحسن الاقتصاص لأنه اقتصاص لقصة الحب والغرام بأعف ما يكون وأستر ما يمكن.
والمعنى - والله أعلم - نحن نقص عليك أحسن القصص بسبب وحينا هذا القرآن إليك وأنك كنت قبل اقتصاصنا عليك هذه القصة من الغافلين عنها.