فهرس الكتاب

الصفحة 2782 من 4314

قوله تعالى:"فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما"المراد بكونه خيرا منه زكاة كونه خيرا منه صلاحا وإيمانا بقرينة مقابلته الطغيان والكفر في الآية السابقة ، وأصل الزكاة فيما قيل الطهارة ، والمراد بكونه أقرب منه رحما كونه أوصل للرحم والقرابة فلا يرهقهما ، وأما تفسيره بكونه أكثر رحمة بهما فلا يناسبه قوله"أقرب"منه تلك المناسبة ، وهذا - كما عرفت - يؤيد كون المراد من قوله:"يرهقهما طغيانا وكفرا"في الآية السابقة إرهاقه إياهما بطغيانه وكفره لا تكليفه إياهما الطغيان والكفر وإغشاؤهما ذلك.

والآية - على أي حال - تلوح إلى أن إيمان أبويه كان ذا قدر عند الله ويستدعي ولدا مؤمنا صالحا يصل رحمهما وقد كان المقضي في الغلام خلاف ذلك فأمر الله الخضر بقتله ليبدلهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما.

قوله تعالى:"و أما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا"لا يبعد أن يستظهر من السياق أن المدينة المذكورة في هذه الآية غير القرية التي وجدا فيها الجدار فأقامه ، إذ لو كانت هي هي لم يكن كثير حاجة إلى ذكر كون الغلامين اليتيمين فيها فكان العناية متعلقة بالإشارة إلى أنهما ومن يتولى أمرهما غير حاضرين في القرية.

وذكر يتم الغلامين ووجود كنز لهما تحت الجدار ولو انقض لظهر وضاع وكون أبيهما صالحا كل ذلك توطئة وتمهيد لقوله:"فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما"وقوله:"رحمة من ربك"تعليل للإرادة.

فرحمته تعالى سبب لإرادة بلوغهما واستخراجهما كنزهما ، وكان يتوقف على قيام الجدار فأقامه الخضر ، وكان سبب انبعاث الرحمة صلاح أبيهما وقد عرض أن مات وأيتم الغلامين وترك كنزا لهما.

وقد طال البحث في التوفيق بين صلاح أبيهما ووجود كنز لهما تحت الجدار الظاهر في كون أبيهما هو الكانز له بناء على ذم الكنز كما يدل عليه قوله تعالى:"و الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم": التوبة: 34.

لكن الآية لا تتعرض بأكثر من أن تحته كنز لهما من غير دلالة على أن أباهما هو الذي دفنه وكنزه ، على أن وصف أبيهما بالصلاح دليل على كون هذا الكنز أيا ما كان أمرا غير مذموم على تقدير تسليم كون الكانز هو الأب ، على أن من الجائز أن يكون أبوهما الصالح كنزه لهما لتأويل يسوغه فما هو بأعظم من خرق السفينة وقتل النفس المحترمة الواردين في القصة وقد جوزهما التأويل بأمر إلهي وهنا بعض روايات ستوافيك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.

وفي الآية دلالة على أن صلاح الإنسان ربما ورث أولاده أثرا جميلا وأعقب فيهم السعادة والخير فهذه الآية في جانب الخير نظيرة قوله تعالى:"و ليخش الذين لو تركوا من بعدهم ذرية ضعافا خافوا عليهم": النساء: 9.

وقوله:"و ما فعلته عن أمري"كناية عن أنه إنما فعل ما فعل عن أمر غيره وهو الله سبحانه لا عن أمر أمرته به نفسه.

وقوله:"ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا"أي ما لم تستطع عليه صبرا من اسطاع يسطيع بمعنى استطاع يستطيع وقد تقدم في أول تفسير سورة آل عمران أن التأويل في عرف القرآن هي الحقيقة التي يتضمنها الشيء ويؤول إليها ويبتني عليها كتأويل الرؤيا وهو تعبيرها ، وتأويل الحكم وهو ملاكه وتأويل الفعل وهو مصلحته وغايته الحقيقية ، وتأويل الواقعة وهو علتها الواقعية وهكذا.

فقوله:"ذلك تأويل ما لم تسطع"إلخ إشارة منه إلى أن الذي ذكره للوقائع الثلاث وأعماله فيها هو السبب الحقيقي لها لا ما حسبه موسى من العناوين المترائية من أعماله كالتسبب إلى هلاك الناس في خرق السفينة والقتل من غير سبب موجب في قتل الغلام وسوء تدبير المعاش في إقامة الجدار.

وذكر بعضهم: أن من الأدب الجميل الذي استعمله الخضر مع ربه في كلامه أن ما كان من الأعمال التي لا تخلو عن نقص ما نسبه إلى نفسه كقوله: فأردت أن أعيبها وما جاز انتسابه إلى ربه وإلى نفسه أتى فيه بصيغة المتكلم مع الغير كقوله:"فأردنا أن يبدلهما ربهما"،"فخشينا"وما يختص به تعالى لتعلقه بربوبيته وتدبيره ملكه نسبه إليه كقوله:"فأراد ربك أن يبلغا أشدهما".

1 -قصة موسى والخضر في القرآن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت