أوحى الله سبحانه إلى موسى أن هناك عبدا من عباده عنده من العلم ما ليس عند موسى وأخبره أنه إن انطلق إلى مجمع البحرين وجده هناك ، وهو بالمكان الذي يحيى فيه الحوت الميت.
أو يفتقد فيه الحوت.
فعزم موسى أن يلقى العالم ويتعلم منه بعض ما عنده إن أمكن وأخبر فتاه عما عزم عليه فخرجا قاصدين مجمع البحرين وقد حملا معهما حوتا ميتا وذهبا حتى بلغا مجمع البحرين وقد تعبا وكانت هناك صخرة على شاطىء البحر فأويا إليها ليستريحا هنيئة وقد نسيا حوتهما وهما في شغل منه.
وإذا بالحوت اضطرب ووقع في البحر حيا ، أو وقع فيه وهو ميت ، وغار فيه والفتى يشاهده ويتعجب من أمره غير أنه نسي أن يذكره لموسى حتى تركا الموضع وانطلقا حتى جاوزا مجمع البحرين وقد نصبا فقال له موسى: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا.
فذكر الفتى ما شاهده من أمر الحوت وقال لموسى: إنا إذ أوينا إلى الصخرة حي الحوت ووقع في البحر يسبح فيه حتى غار وكنت أريد أن أذكر لك أمره لكن الشيطان أنسانيه أو إني نسيت الحوت عند الصخرة فوقع في البحر وغار فيه.
قال موسى: ذلك ما كنا نبغي ونطلب فلنرجع إلى هناك فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عباد الله آتاه الله رحمة من عنده وعلمه علما من لدنه فعرض عليه موسى وسأله أن يتبعه فيعلمه شيئا ذا رشد مما علمه الله.
قال العالم: إنك لن تستطيع معي صبرا على ما تشاهده من أعمالي التي لا علم لك بتأويلها ، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟ فوعده موسى أن يصبر ولا يعصيه في أمر إن شاء الله فقال له العالم بانيا على ما طلبه منه ووعده به: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا.
فانطلق موسى والعالم حتى ركبا سفينة وفيها ناس من الركاب وموسى خالي الذهن عما في قصد العالم فخرق العالم السفينة خرقا لا يؤمن معه الغرق فأدهش ذلك موسى وأنساه ما وعده فقال للعالم: أ خرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال له العالم: أ لم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ فاعتذر إليه موسى بأنه نسي ما وعده من الصبر قائلا: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا.
فانطلقا فلقيا غلاما فقتله العالم فلم يملك موسى نفسه دون أن تغير وأنكر عليه ذلك قائلا: أ قتلت نفسا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئا نكرا.
قال له العالم ثانيا: أ لم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ فلم يكن عند موسى ما يعتذر به ويمتنع به عن مفارقته ونفسه غير راضية بها فاستدعى منه مصاحبة مؤجلة بسؤال آخر إن أتى به كان له فراقه واستمهله قائلا: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا وقبله العالم.
فانطلقا حتى أتيا قرية وقد بلغ بهما الجوع فاستطعما أهلها فلم يضيفهما أحد منهم وإذا بجدار فيها يريد أن ينقض ويتحذر منه الناس فأقامه العالم.
قال له موسى: لو شئت لتخذت على عملك منهم أجرا فتوسلنا به إلى سد الجوع فنحن في حاجة إليه والقوم لا يضيفوننا.
فقال له العالم: هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ثم قال: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ويتعيشون بها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا فخرقتها لتكون معيبة لا يرغب فيها.
وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ، ولو أنه عاش لأرهقهما بكفره وطغيانه فشملتهما الرحمة الإلهية فأمرني أن أقتله ليبدلهما ولدا خيرا منه زكاة وأقرب رحما فقتلته.
وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فشملتهما الرحمة الإلهية لصلاح أبيهما فأمرني أن أقيمه فيستقيم حتى يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ولو انقض لظهر أمر الكنز وانتهبه الناس.
قال: وما فعلت الذي فعلت عن أمري بل عن أمر من الله ، وتأويلها ما أنبأتك به ثم فارق موسى.
2 -قصة الخضر (عليه السلام)
-لم يرد ذكره في القرآن إلا ما في قصة رحلة موسى إلى مجمع البحرين ، ولا ذكر شيء من جوامع أوصافه إلا ما في قوله تعالى.