و قد رسم الله سبحانه لهذه الهداية رسما آخر وهو ما في قوله عقيب ذكره هدايته أنبياءه الكرام وما خصهم به من النعم العظام:"و اجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده": الأنعام: 88 فقد أوضحنا في تفسير الآية أن الآية تدل على أن من خاصة الهداية الإلهية أنها تورد المهتدين بها صراطا مستقيما وطريقا سويا لا تخلف فيه ولا اختلاف.
فلا بعض أجزاء صراطه الذي هو دينه بما فيه من المعارف والشرائع يناقض البعض الآخر لما أن الجميع يمثل التوحيد الخالص الذي ليس إلا حقيقة ثابتة واحدة ، ولما أن كلها مبنية على الفطرة الإلهية التي لا تخطىء في حكمها ولا تتبدل في نفسها ولا في مقتضياتها.
ولا بعض الراكبين عليه السائرين فيه يألفون بعضا آخر فالذي يدعو إليه نبي من أنبياء الله هو الذي يدعو إليه جميعهم ، والذي يندب إليه خاتمهم وآخرهم هو الذي يندب إليه آدمهم وأولهم من غير أي فرق إلا من حيث الإجمال والتفصيل.
في الكافي ، بإسناده عن زيد قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: في قول الله تبارك وتعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه - وجعلنا له نورا يمشي به في الناس"فقال: ميت لا يعرف شيئا"نورا يمشي به في الناس"إماما يأتم به"كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها"قال: الذي لا يعرف الإمام.
أقول: وهو من قبيل الجري والانطباق فسياق الآية يأبى إلا أن تكون الحياة هو الإيمان والنور هو الهداية الإلهية إلى القول الحق والعمل الصالح.
وقد روى السيوطي في الدر المنثور ، عن زيد بن أسلم: أن الآية نزلت في عمار بن ياسر: ، وروي أيضا عن ابن عباس وزيد بن أسلم: أنها نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام والسياق يأبى كون الآية خاصة.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين نزلت هذه الآية:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام"قال: إذا أدخل الله النور القلب انشرح وانفسح. قالوا: فهل لذلك آية يعرف بها؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت: . أقول: ورواه أيضا عدة من المفسرين عن جمع من التابعين كأبي جعفر المدائني والفضل والحسن وعبد الله بن السور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفي العيون ، بإسناده عن حمدان بن سليمان النيشابوري قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام"قال: فمن يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا وإلى جنته ودار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون إلى ما وعد من ثوابه حتى يطمئن إليه ، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيقا حرجا حتى يشك في كفره ويضطرب عن اعتقاده حتى يصير كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون.
أقول: وفي الحديث نكات حسنة تشير إلى ما شرحناه في البيان المتقدم.
وفي الكافي ، بإسناده عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور ، وفتح مسامع قلبه ، ووكل به ملكا يسدده وإذا أراد بعبد سوء نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ، ووكل به شيطانا يضله ثم تلا هذه الآية: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام - ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا - كأنما يصعد في السماء: . أقول: ورواه العياشي في التفسير مرسلا والصدوق في التوحيد مسندا عنه (عليه السلام) . وفي الكافي ، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن القلب يتلجلج في الجوف يطلب الحق فإذا جاء به اطمأن وقر ثم تلا:"فمن يرد الله أن يهديه إلى قوله في السماء": أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن أبي جميلة عن عبد الله بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) .