فهرس الكتاب

الصفحة 1524 من 4314

قوله تعالى:"لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون"المراد بالسلام هو معناه اللغوي - على ما يعطيه ظاهر السياق - وهو التعري من الآفات الظاهرة والباطنة ، ودار السلام هي المحل الذي لا آفة تهدد من حل فيه من موت وعاهة ومرض وفقر وأي عدم وفقد آخر وغم وحزن ، وهذه هي الجنة الموعودة ولا سيما بالنظر إلى تقييده بقوله:"عند ربهم".

نعم أولياء الله تعالى يجدون في هذه النشأة ما وعدهم الله من إسكانهم دار السلام لأنهم يرون الملك لله فلا يملكون شيئا حتى يخافوا فقده أو يحزنوا لفقده قال تعالى:"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون": يونس: 62 وهم لا شغل لهم إلا بربهم خلوا به في حياتهم فلهم دار السلام عند ربهم - وهم قاطنون في هذه الدنيا - وهو وليهم بما كانوا يعملون وهو سيرهم في الحياة بنور الهداية الإلهية الذي جعله في قلوبهم ، ونور به أبصارهم وبصائرهم.

وربما قيل: المراد بالسلام هو الله ، وداره الجنة ، والسياق يأباه وضمائر الجمع في الآية راجعة إلى القوم في قوله:"لقوم يذكرون"- على ما قيل - لأنه أقرب المراجع لرجوعها إليها غير أن التدبر في الآيات يؤيد رجوعها إلى المهتدين بالهداية المذكورة بما أن الكلام فيهم والآيات مسوقة لبيان حسن صنع الله بهم فالوعد الحسن المذكور يجب أن يعود إليهم ، وأما القوم المتذكرون فإنما ذكروا ودخلوا في غرض الكلام بالتبع.

كلام في معنى الهداية الإلهية

الهداية بالمعنى الذي نعرفه كيفما اتخذت هي من العناوين التي تعنون بها الأفعال وتتصف بها ، تقول: هديت فلانا إلى أمر كذا إذا ذكرت له كيفية الوصول إليه أو أريته الطريق الذي ينتهي إليه ، وهذه هي الهداية بمعنى إراءة الطريق ، أو أخذت بيده وصاحبته في الطريق حتى توصله إلى الغاية المطلوبة ، وهذه هي الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب.

فالواقع في الخارج في جميع هذه الموارد هو أقسام الأفعال التي تأتي بها من ذكر الطريق أو إراءته أو المشي مع المهدي وأما الهداية فهي عنوان للفعل يدور مدار القصد كما أن ما يأتيه المهدي من الفعل في أثره معنون بعنوان الاهتداء فما ينسب إليه تعالى من الهداية ويسمى لأجله هاديا وهو أحد الأسماء الحسنى من صفات الفعل المنتزعة من فعله تعالى كالرحمة والرزق ونحوهما.

وهدايته تعالى نوعان: أحدهما الهداية التكوينية وهي التي تتعلق بالأمور التكوينية كهدايته كل نوع من أنواع المصنوعات إلى كماله الذي خلق لأجله وإلى أفعاله التي كتبت له ، وهدايته كل شخص من أشخاص الخليقة إلى الأمر المقدر له والأجل المضروب لوجوده قال تعالى:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 وقال:"الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى": الأعلى: 3.

والنوع الثاني: الهداية التشريعية وهي التي تتعلق بالأمور التشريعية من الاعتقادات الحقة والأعمال الصالحة التي وضعها الله سبحانه للأمر والنهي والبعث والزجر ووعد على الأخذ بها ثوابا وأوعد على تركها عقابا.

ومن هذه الهداية ما هي إراءة الطريق كما في قوله تعالى:"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الدهر: 3.

ومنها ما هي بمعنى الإيصال إلى المطلوب كما في قوله تعالى:"و لو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه": الأعراف: 176 وقد عرف الله سبحانه هذه الهداية تعريفا بقوله:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام": الآية: 125 فهي انبساط خاص في القلب يعي به القول الحق والعمل الصالح من غير أن يتضيق به ، وتهيؤ مخصوص لا يأبى به التسليم لأمر الله ولا يتحرج عن حكمه.

وإلى هذا المعنى يشير تعالى بقوله:"أ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه - إلى أن قال - ذلك هدى الله يهدي به من يشاء": الزمر: 23 وقد وصفه في الآية بالنور لأنه ينجلي به للقلب ما يجب عليه أن يعيه من التسليم لحق القول وصدق العمل عما يجب عليه أن لا يعيه ولا يقبله وهو باطل القول وفاسد العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت