و قد سمي في الآية الضلال الذي يساوق عدم الإيمان رجسا والرجس هو القذر غير أنه اعتبر فيه نوعا من الاستعلاء الدال عليه قوله:"على الذين لا يؤمنون"كأن الرجس يعلوهم ويحيط بهم فيحول بينهم وبين غيرهم فيتنفر منهم الطباع كما يتنفر من الغذاء الملطخ بالقذر.
وقد استدل بالآية على أن الهدى والضلال من الله لا صنع فيهما لغيره تعالى وهو خطأ فإن الآية - كما عرفت - في مقام بيان حقيقة الهدى والضلال اللذين من الله ونوع تعريف لهما وتحديد لا في مقام بيان انحصارهما فيه وانتفائهما عن غيره كما هو المدعى وهو ظاهر.
ونظير ذلك ما ذكره بعضهم: أن الآية كما تدل بلفظها على قولنا: إن الهداية والضلال من الله ، كذلك تدل بلفظها على الدليل العقلي القاطع في هذه المسألة.
بيانه: أن العبد قادر على الإيمان والكفر معا على حد سواء فيمتنع صدور أحدهما عنه بدلا من الآخر إلا إذا اقترن بمرجح يستدعي صدور ما يرجح به وهو الداعي القلبي الذي ليس إلا العلم أو الاعتقاد أو الظن بكون الفعل مشتملا على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة من غير ضرر زائد أو مفسدة راجحة ، وقد بينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي في القلب إنما يكون من الله تعالى ، وأن مجموع القدرة والداعي يوجب العمل.
إذا ثبت هذا فنقول: يستحيل صدور الإيمان من العبد إلا إذا خلق الله في قلبه اعتقاد رجحان الإيمان ، ومعه يحصل من القلب ميل إليه ومن النفس رغبة فيه وهذا هو انشراح الصدر ، ويمتنع الكفر إلا بخلقه ما يقابل ذلك في القلب ، ويحصل حينئذ النفرة عنه والاشمئزاز منه وهو المراد بجعل القلب ضيقا حرجا فصار تقدير الآية: أن من أراد الله منه الإيمان قوي دواعيه إليه ، ومن أراد منه الكفر قوي صوارفه عن الإيمان وقوي دواعيه إلى الكفر ، ولما ثبت بالدليل العقلي أن الأمر كذلك ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية.
انتهى ملخصا.
وفيه أولا: أن انتساب الشيء إليه تعالى من جهة خلقه أسباب وجوده ومقدماته لا يوجب انتفاء نسبته إلى غيره تعالى وإلا أوجب ذلك بطلان قانون العلية العام وببطلانه يبطل القضاء العقلي من رأس فمن الممكن أن تستند الهداية والضلال إلى غيره تعالى استنادا حقيقيا في حين أنهما يستندان إليه تعالى استنادا حقيقيا من غير تناقض.
وثانيا: أن الذي ذكرته الآية من صنعه تعالى في موردي هدايته وإضلاله هو سعة القلب وضيقه ، وهما غير رغبة النفس ونفرته البتة فالآية أجنبية عما ذكره أصلا ، ومجرد استلزام إرادة الفعل من العبد رغبته وكراهته نفرته منه لا يوجب أن يكون المراد من سعة القلب وضيقه الإرادة والكراهة بالنسبة إلى الأعمال ، ففيه مغالطة من باب أخذ أحد المقارنين مكان الآخر ومن عجيب الكلام قوله: إن انطباق الدليل العقلي الذي أقامه بزعمه على الآية يوجب دلالة لفظ الآية عليه.
وثالثا: أنك عرفت أن الآية إنما هي في مقام تعريف ما يصنع الله بعبده إذا أراد هدايته أو ضلالته ، وأما أن كل هداية أو ضلالة فهي من الله تعالى دون غيره فذلك أمر أجنبي عن غرض الآية فالآية لا دلالة لها على أن الهداية والضلال من الله سبحانه وإن كان ذلك هو الحق.
قوله تعالى:"و هذا صراط ربك مستقيما"إلى آخر الآية ، الإشارة إلى ما تقدم بيانه في الآية السابقة من صنعه عند الهداية والإضلال وقد تقدم معنى الصراط واستقامته ، وقد بين تعالى في الآية أن ما ذكره من شرح الصدر للإسلام إذا أراد الهداية ومن جعل الصدر ضيقا حرجا عند إرادة الإضلال هو صراطه المستقيم وسنته الجارية التي لا تختلف ولا تتخلف فما من مؤمن إلا وهو منشرح الصدر للإسلام بالله وغير المؤمن بالعكس من ذلك.
فقوله:"و هذا صراط ربك مستقيما"بيان ثان وتأكيد لكون المعرف المذكور في الآية السابقة معرفا جامعا مانعا للهداية والضلالة ثم أكد سبحانه البيان بقوله:"قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون"أي إن القول حق بين عند من تذكر ورجع إلى ما أودعه الله في نفسه من المعارف الفطرية والعقائد الأولية التي بتذكرها يهتدي الإنسان إلى معرفة كل حق وتمييزه من الباطل ، والبيان مع ذلك لله سبحانه فإنه هو الذي يهدي الإنسان إلى النتيجة بعد هدايته إلى الحجة.