فهرس الكتاب

الصفحة 1522 من 4314

قوله تعالى:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام"الشرح هو البسط وقد ذكر الراغب في مفرداته ، أن أصله بسط اللحم ونحوه ، وشرح الصدر الذي يعد في الكلام وعاء للعلم والعرفان هو التوسعة فيه بحيث يسع ما يصادفه من المعارف الحقة ولا يدفع كلمة الحق إذا ألقيت إليه كما يدل عليه ما ذكر في وصف الإضلال بالمقابلة وهو قوله:"يجعل صدره ضيقا حرجا"إلخ.

فمن شرح الله صدره للإسلام وهو التسليم لله سبحانه فقد بسط صدره ووسعه لتسليم ما يستقبله من قبله تعالى من اعتقاد حق أو عمل ديني صالح فلا يلقي إليه قول حق إلا وعاه ولا عمل صالح إلا أخذ به وليس إلا أن لعين بصيرته نورا يقع على الاعتقاد الحق فينوره أو العمل الصالح فيشرقه خلاف من عميت عين قلبه فلا يميز حقا من باطل ولا صدقا من كذب قال تعالى:"فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور": الحج: 46.

وقد بين تعالى شرح الصدر بهذا البيان في قوله أ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله"فوصفه فعرفه بأن صاحبه راكب نور من الله يشرق قدامه في مسيره ثم عرفه بالمقابلة بلينة في القلب يقبل به ذكر الله ولا يدفعه لقسوة ثم قال:"الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد": الزمر: 23 فذكر لين القلب إلى ذكر الله وطوعه للحق وأفاد أن ذلك هو الهدى الإلهي الذي يهدي به من يشاء ، وعند ذلك يرجع الآيتان أعني آية الزمر والآية التي نحن فيها إلى معنى واحد وهو أن الله سبحانه عند هدايته عبدا من عباده يبسط صدره فيسع كل اعتقاد حق وعمل صالح ويقبله بلين ولا يدفعه بقسوة وهو نوع من النور المعنوي الذي ينور القول الحق والعمل الصالح وينصر صاحبه فيمسك بما نوره فهذا معرف يعرف به الهداية الإلهية."

ومن هنا يظهر أن الآية أعني قوله:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام"بمنزلة بيان آخر لقوله:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس"والتفريع الذي في قوله.

"فمن يرد الله"إلخ.

من قبيل تفريع أحد البيانين على الآخر بدعوى أنه نتيجته كأن التصادق بين البيانين يجعل أحدهما نتيجة مترتبة وفرعا متفرعا على الآخر ، وهو عناية لطيفة.

والمعنى: فإذا كان من أحياه الله بعد ما كان ميتا على هذه الصفة وهي أنه على نور من ربه يستضيء به له واجب الاعتقاد والعمل فيأخذ به فمن يرد الله أن يهديه يوسع صدره لأن يسلم لربه ولا يستنكف عن عبادته فالإسلام نور من الله ، والمسلمون لربهم على نور من ربهم.

قوله تعالى:"و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا"إلى آخر الآية ، الإضلال مقابل الهداية ، ولذا كان أثره مقابلا لأثرها وهو التضييق المقابل للشرح والتوسعة وأثره أن لا يسع ما يتوجه إليه من الحق والصدق ، ويتحرج عن دخولهما فيه ، ولذا أردف كون الصدر ضيقا بكونه حرجا.

والحرج على ما في المجمع ، أضيق الضيق ، وقال في المفردات: ، أصل الحرج والحراج مجتمع الشيء وتصور منه ضيق ما بينهما فقيل للضيق حرج وللإثم حرج.

انتهى.

فقوله:"حرجا كأنما يصعد في السماء"في محل التفسير لقوله:"ضيقا"وإشارة إلى أن ذلك نوع من الضيق يناظر بوجه التضيق والتحرج الذي يشاهد من الظروف والأوعية إذا أريد إدخال ما هو أعظم منها ووضعه فيها.

وقوله:"كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون"إعطاء ضابط كلي في إضلال الذين لا يؤمنون أنهم يفقدون حال التسليم لله والانقياد للحق ، وقد أطلق عدم الإيمان وإن كان مورد الآيات عدم الإيمان بالله سبحانه وهو الشرك به لكن الذي سبق من البيان في الآية يشمل عدم الإيمان بالله وهو الشرك ، وعدم الإيمان بآيات الله وهو رد بعض ما أنزله الله من المعارف والأحكام فقد دل على ذلك كله بقوله:"يشرح صدره للإسلام"إلخ ، وبقوله سابقا:"و جعلنا له نورا يمشي به"إلخ ، وقوله:"يجعل صدره ضيقا حرجا"إلخ ، وبقوله سابقا:"في الظلمات ليس بخارج منها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت