فهرس الكتاب

الصفحة 1521 من 4314

قوله تعالى:"و كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها"إلى آخر الآية ، كأن المراد بالآية أنا أحيينا جمعا وجعلنا لهم نورا يمشون به في الناس ، وآخرين لم نحيهم فمكثوا في الظلمات فهم غير خارجين منها ولا أن أعمالهم المزينة تنفعهم وتخلصهم منها كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها بالدعوة الدينية والنبي والمؤمنين لكنه لا ينفعهم فإنهم في ظلمات لا يبصرون بل إنما يمكرون بأنفسهم ولا يشعرون.

وعلى هذا فقوله:"كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون"مسوق لبيان أن أعمالهم المزينة لهم لا تنفعهم في استخلاصهم من الظلمات التي هم فيها ، وقوله:"و كذلك جعلنا في كل قرية"إلخ ، مسوق لبيان أن أعمالهم ومكرهم لا يضر غيرهم إنما وقع مكرهم على أنفسهم وما يشعرون لمكان ما غمرهم من الظلمة.

وقيل: معنى التشبيه في الآية أن مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم ، ومثل ذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ، وجعلنا ذا المكر من المجرمين كما جعلنا ذا النور من المؤمنين فكل ما فعلنا بهؤلاء فعلنا بهم إلا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم وهؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم لأن في كل واحد منهما الجعل بمعنى الصيرورة إلا أن الأول باللطف والثاني بالتمكين من المكر انتهى.

ولا يخلو من بعد من السياق.

والجعل في قوله:"جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها"كالجعل في قوله:"و جعلنا له نورا"فالأنسب أنه بمعنى الخلق ، والمعنى: خلقنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وكون مكرهم غاية للخلقة وغرضا للجعل نظير كون دخول النار غرضا إلهيا في قوله:"و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس": الأعراف: 179 وقد مر الكلام في معنى ذلك في مواضع من هذا الكتاب.

وإنما خص بالذكر أكابر مجرميها لأن المطلوب بيان رجوع المكر إلى ما كره ، والمكر بالله وآياته إنما يصدر منهم ، وأما أصاغر المجرمين وهم العامة من الناس فإنما هم أتباع وأذناب.

وأما قوله:"و ما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون"فذلك أن المكر هو العمل الذي يستبطن شرا وضرا يعود إلى الممكور به فيفسد به غرضه المطلوب ويضل به سعيه ويبطل نجاح عمله ، ولا غرض لله سبحانه في دعوته الدينية ، ولا نفع فيها إلا ما يعود إلى نفس المدعوين فلو مكر الإنسان مكرا بالله وآياته ليفسد بذلك الغرض من الدعوة ويمنع عن نجاح السعي فيها فإنما مكر بنفسه من حيث لا يشعر: واستضر بذلك هو نفسه دون ربه.

قوله تعالى:"و إذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن - إلى قوله - رسالته"قولهم:"لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله"يريدون به أن يؤتوا نفس الرسالة بما لها من مواد الدعوة الدينية دون مجرد المعارف الدينية من أصول وفروع وإلا كان اللفظ المناسب له أن يقال:"مثل ما أوتي أنبياء الله"أو ما يشاكل ذلك كقولهم:"لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية": البقرة: 118 وقولهم:"لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا": الفرقان: 21.

فمرادهم أنا لن نؤمن حتى نؤتى الرسالة كما أوتيها الرسل ، وفيه شيء من الاستهزاء فإنهم ما كانوا قائلين بالرسالة فهو بوجه نظير قولهم:"لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم": الزخرف: 31 كما أن جوابه نظير جوابه وهو قوله تعالى:"أ هم يقسمون رحمة ربك": الزخرف: 32 كقوله:"الله أعلم حيث يجعل رسالته ،".

ومما تقدم يظهر أن الضمير في قوله:"و إذا جاءتهم آية قالوا"إلخ ، عائد إلى"أكابر مجرميها"في الآية السابقة ، إذ لو رجع إلى عامة المشركين لغا قولهم:"حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله"إذ لا معنى لرسالة جميع الناس حيث لا أحد يرسلون إليه ، ولم يقع قوله:"الله أعلم حيث يجعل رسالته"موقعه بل كان حق الجواب أنه لغو من القول كما عرفت.

ويؤيده الوعيد الذي في ذيل الآية:"سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون"حيث وصفهم بالإجرام وعلل الوعيد بمكرهم ، ولم ينسب المكر في الآية السابقة إلا إلى أكابر مجرميها ، والصغار الهوان والذلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت