2 سورة البقرة - 135 - 141
وَقَالُوا كونُوا هُودًا أَوْ نَصرَى تهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كانَ مِنَ الْمُشرِكِينَ (135) قُولُوا ءَامَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلى إِبْرَهِيمَ وَإِسمَعِيلَ وَإِسحَقَ وَيَعْقُوب وَالأَسبَاطِ وَمَا أُوتىَ مُوسى وَعِيسى وَمَا أُوتىَ النّبِيّونَ مِن رّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنحْنُ لَهُ مُسلِمُونَ (136) فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِن تَوَلّوْا فَإِنمَا هُمْ في شِقَاقٍ فَسيَكْفِيكهُمُ اللّهُ وَهُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنحْنُ لَهُ عَبِدُونَ (138) قُلْ أَ تُحَاجّونَنَا في اللّهِ وَهُوَ رَبّنَا وَرَبّكمْ وَلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنحْنُ لَهُ مخْلِصونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنّ إِبْرَهِيمَ وَإِسمَعِيلَ وَإِسحَقَ وَيَعْقُوب وَالأَسبَاط كانُوا هُودًا أَوْ نَصرَى قُلْ ءَ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظلَمُ مِمّن كَتَمَ شهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَفِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْك أُمّةٌ قَدْ خَلَت لَهَا مَا كَسبَت وَلَكُم مّا كَسبْتُمْ وَلا تُسئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141)
قوله تعالى: وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ، لما بين تعالى أن الدين الحق الذي كان عليه أولاد إبراهيم من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده كان هو الإسلام الذي كان عليه إبراهيم حنيفا ، استنتج من ذلك أن الاختلافات والانشعابات التي يدعو إليها فرق المنتحلين من اليهود والنصارى ، أمور اخترعتها هوساتهم ، ولعبت بها أيديهم لكونهم في شقاق ، فتقطعوا بذلك طوائف وأحزابا دينية ، وصبغوا دين الله سبحانه - وهو دين التوحيد ودين الوحدة ، بصبغة الأهواء والأغراض والمطامع ، مع أن الدين واحد كما أن الإله المعبود بالدين واحد وهو دين إبراهيم ، وبه فليتمسك المسلمون وليتركوا شقاق أهل الكتاب.
فإن من طبيعة هذه الحياة الأرضية الدنيوية التغير والتحول في عين الجري والاستمرار كنفس الطبيعة التي هي كالمادة لها ويوجب ذلك أن تتغير الرسوم والآداب والشعائر القومية بين طوائف الملل وشعباتها ، وربما يوجب ذلك تغييرا وانحرافا في المراسم الدينية ، وربما يوجب دخول ما ليس من الدين في الدين ، أو خروج ما هو منه والأغراض والغايات الدنيوية ربما تحل محل الأغراض الدينية الإلهية وهي بلية الدين ، وعند ذلك ينصبغ الدين بصبغة القومية فيدعو إلى هدف دون هدفه الأصلي ويؤدب الناس غير أدبه الحقيقي ، فلا يلبث حتى يعود المنكر وهو ما ليس من الدين معروفا يتعصب له الناس لموافقته هوساتهم وشهواتهم والمعروف منكرا ليس له حام يحميه ولا واق يقيه ويئول الأمر إلى ما نشاهده اليوم من... وبالجملة فقوله تعالى: وقالوا كونوا هودا أو نصارى ، إجمال تفصيل معناه وقالت اليهود كونوا هودا تهتدوا ، وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا ، كل ذلك لتشعبهم وشقاقهم.
قوله تعالى: قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ، جواب عن قولهم أي قل ، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا فإنها الملة الواحدة التي كان عليها جميع أنبيائكم ، إبراهيم ، فمن دونه ، وما كان صاحب هذه الملة وهو إبراهيم من المشركين ولو كان في ملته هذه الانشعابات ، وهي الضمائم التي ضمها إليها المبتدعون ، من الاختلافات لكان مشركا بذلك ، فإن ما ليس من دين الله لا يدعو إلى الله سبحانه ، بل إلى غيره وهو الشرك ، فهذا دين التوحيد الذي لا يشتمل على ما ليس من عند الله تعالى.
قوله تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ، لما حكى ما يأمره به اليهود والنصارى من اتباع مذهبهم ، ذكر ما هو عنده من الحق والحق يقول وهو الشهادة على الإيمان بالله ، والإيمان بما عند الأنبياء ، من غير فرق بينهم ، وهو الإسلام وخص الإيمان بالله بالذكر وقدمه وأخرجه من بين ما أنزل على الأنبياء لأن الإيمان بالله فطري ، لا يحتاج إلى بينة النبوة ، ودليل الرسالة.