فهؤلاء من الناس مختصون بمقام العبودية التشريفية اختصاصا لا يشاركهم فيه غيرهم من الصالحين التائبين.
في الفقيه ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر خطبة خطبها: من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه ، ثم قال: إن السنة لكثيرة ومن تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه ، ثم قال: وإن الشهر لكثير ومن تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه ، ثم قال: وإن اليوم لكثير ومن تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ، ثم قال: وإن الساعة لكثيرة من تاب وقد بلغت نفسه هذه وأهوى بيده إلى حلقه تاب الله عليه.
: وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل"و ليست التوبة للذين يعملون السيئات - حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن"قال: ذلك إذا عاين أمر الآخرة.
أقول: الرواية الأولى رواها في الكافي مسندا عن الصادق (عليه السلام) ، وهي مروية من طرق أهل السنة وفي معناها روايات أخر.
والرواية الثانية تفسر الآية وتفسر الروايات الواردة في عدم قبول التوبة عند حضور الموت بأن المراد من حضور الموت العلم به ومشاهدة آيات الآخرة ولا توبة عندئذ ، وأما الجاهل بالأمر فلا مانع من قبول توبته ، ونظيرها بعض ما يأتي من الروايات.
وفي تفسير العياشي ، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا بلغت النفس هذه - وأهوى بيده إلى حنجرته لم يكن للعالم توبة ، وكانت للجاهل توبة.
وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد والبخاري في التاريخ والحاكم وابن مردويه عن أبي ذر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب ، قيل وما وقوع الحجاب؟ قال: تخرج النفس وهي مشركة.
وفيه ، أخرج ابن جرير عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن إبليس لما رأى آدم أجوف قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي لا أحول بينه وبين التوبة ما دام الروح فيه.
وفي الكافي ، عن علي الأحمسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: والله ما ينجو من الذنوب إلا من أقر بها ، قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام) : كفى بالندم توبة.
وفيه ، بطريقين عن ابن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله تعالى فستر عليه فقلت: وكيف يستر عليه؟ قال ، ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه ثم يوحي الله إلى جوارحه وإلى بقاع الأرض: أن اكتمي عليه ذنوبه فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب.
وفيه ، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب عنها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة أما والله إنها ليست إلا لأهل الإيمان. قلت: فإن عاد بعد التوبة والاستغفار في الذنوب وعاد في التوبة؟ فقال يا محمد بن مسلم أ ترى العبد المؤمن يندم على ذنبه فيستغفر الله منه ويتوب ثم لا يقبل الله توبته؟ قلت: فإن فعل ذلك مرارا يذنب ثم يتوب ويستغفر؟ فقال: كلما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله تعالى عليه بالمغفرة ، وإن الله غفور رحيم يقبل التوبة ، ويعفو عن السيئات فإياك أن تقنط المؤمنين من رحمة الله.
وفي تفسير العياشي ، عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى قال: لهذه الآية تفسير يدل على ذلك التفسير أن الله لا يقبل من عبد عملا إلا لمن لقيه بالوفاء منه بذلك التفسير ، وما اشترط فيه على المؤمنين وقال: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة يعني كل ذنب عمله العبد وإن كان به عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه ، وقد قال في ذلك يحكي قول يوسف لإخوته"هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون"فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله.
أقول: والرواية لا تخلو عن اضطراب في المتن والظاهر أن المراد بالصدر أن العمل إنما يقبل إذا وفى به العبد ولم ينقضه فالتوبة إنما تقبل إذا كانت زاجرة ناهية على الذنب ولو حينا.