فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 4314

وجه سقوطه: أن التوبة إنما شرعت مضافا إلى توقف التحلي بالكرامات على غفران الذنوب: للتحفظ على صفة الرجاء وتأثيره حسن أثره ، وأما ما ذكر من استلزامه أن يقصد الإنسان كل معصية بنية أن يعصي ثم يتوب ، فقد فاته أن التوبة بهذا النعت لا يتحقق معها حقيقة التوبة فإنها انقلاع عن المعصية ، ولا انقلاع في هذا الذي يأتي به ، والدليل عليه أنه كان عازما على ذلك قبل المعصية ومع المعصية وبعد المعصية ، ولا معنى للندامة أعني التوبة قبل تحقق الفعل بل مجموع الفعل والتوبة في أمثال هذه المعاصي مأخوذ فعلا واحدا مقصودا بقصد واحد مكرا وخديعة يخدع بها رب العالمين ، ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله.

وخامسا: أن المعصية وهي الموقف السوء من الإنسان ذو أثر سيىء في حياته لا يتاب منها ولا يرجع عنها إلا مع العلم والإيقان بمساءتها ، ولا ينفك ذلك عن الندم على وقوعها أولا ، والندم تأثر خاص باطني من فعل السيىء.

ويتوقف على استقرار هذا ، الرجوع ببعض الأفعال الصالحة المنافية لتلك السيئة الدالة على الرجوع والتوبة ثانيا.

وإلى هذا يرجع جميع ما اعتبر شرعا من آداب التوبة كالندم والاستغفار والتلبس بالعمل الصالح ، والانقلاع عن المعصية إلى غير ذلك مما وردت به الأخبار ، وتعرض له كتب الأخلاق.

وسادسا: أن التوبة وهي الرجوع الاختياري عن السيئة إلى الطاعة والعبودية إنما تتحقق في ظرف الاختيار وهو الحياة الدنيا التي هي مستوى الاختيار ، وأما فيما لا اختيار للعبد هناك في انتخاب كل من طريقي الصلاح والطلاح والسعادة والشقاوة فلا مسرح للتوبة فيه ، وقد تقدم ما يتضح به ذلك.

ومن هذا الباب التوبة فيما يتعلق بحقوق الناس فإنها إنما تصلح ما يتعلق بحقوق الله سبحانه ، وأما ما يتعلق من السيئة بحقوق الناس مما يحتاج في زواله إلى رضاهم فلا يتدارك بها البتة لأن الله سبحانه احترم الناس بحقوق جعلها لهم في أموالهم وأعراضهم ونفوسهم ، وعد التعدي إلى أحدهم في شيء من ذلك ظلما وعدوانا ، وحاشاه أن يسلبهم شيئا مما جعله لهم من غير جرم صدر منهم ، فيأتي هو نفسه بما ينهى عنه ويظلمهم بذلك ، وقد قال عز من قائل: إن الله لا يظلم الناس شيئا:"يونس: 44".

إلا أن الإسلام وهو التوبة من الشرك يمحو كل سيئة سابقة وتبعة ماضية متعلقة بالفروع كما يدل عليه قوله (عليه السلام) : الإسلام يجب ما قبله ، وبه تفسر الآيات المطلقة الدالة على غفران السيئات جميعا كقوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له: - الزمر: 54.

ومن هذا الباب أيضا توبة من سن سنة سيئة أو أضل الناس عن سبيل الحق وقد وردت أخبار أن عليه مثل أوزار من عمل بها أو ضل عن الحق فإن حقيقة الرجوع لا تتحقق في أمثال هذه الموارد لأن العاصي أحدث فيها حدثا له آثار يبقى ببقائها ، ولا يتمكن من إزالتها كما في الموارد التي لا تتجاوز المعصية ما بينه وبين ربه عز اسمه.

وسابعا: أن التوبة وإن كانت تمحو ما تمحوه من السيئات كما يدل عليه قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله: - البقرة: 275. على ما تقدم من البيان في الجزء الثاني من هذا الكتاب ، بل ظاهر قوله تعالى: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ومن تاب وعمل عملا صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا: - الفرقان: 71 ، وخاصة بملاحظة الآية الثانية أن التوبة بنفسها أو بضميمة الإيمان والعمل الصالح توجب تبدل السيئات حسنات إلا أن اتقاء السيئة أفضل من اقترافها ثم إمحائها بالتوبة فإن الله سبحانه أوضح في كتابه أن المعاصي كيفما كانت إنما تنتهي إلى وساوس شيطانية نوع انتهاء ثم عبر عن المخلصين المعصومين عن زلة المعاصي وعثرة السيئات بما لا يعادله كل مدح ورد في غيرهم قال تعالى: قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الآيات: - الحجر: 42 ، وقال تعالى حكاية عن إبليس أيضا في القصة: ولا تجد أكثرهم شاكرين: - الأعراف: 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت