قوله تعالى:"قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى"أي لا تخافا من فرطه وطغيانه إنني حاضر معكما أسمع ما يقال وأرى ما يفعل فأنصركما ولا أخذلكما فهو تأمين بوعد النصرة ، فقوله:"لا تخافا"تأمين ، وقوله:"إنني معكما أسمع وأرى"تعليل للتأمين بالحضور والسمع والرؤية ، وهو الدليل على أن الجملة كناية عن المراقبة والنصرة وإلا فنفس الحضور والعلم يعم جميع الأشياء والأحوال.
وقد استدل بعضهم بالآية على أن السمع والبصر صفتان زائدتان على العلم بناء على أن قوله:"إنني معكما"دال على العلم ولو دل"أسمع وأرى"عليه أيضا لزم التكرار وهو خلاف الأصل.
وهو من أوهن الاستدلال ، أما أولا: فلما عرفت أن مفاد"إنني معكما"هو الحضور والشهادة وهو غير العلم.
وأما ثانيا: فلقيام البراهين اليقينية على عينية الصفات الذاتية وهي الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر بعضها لبعض والمجموع للذات ، ولا ينعقد مع اليقين ظهور لفظي ظني مخالف البتة.
وأما ثالثا: فلأن المسألة من أصول المعارف لا يركن فيها إلى غير العلم ، فتتميم الدليل بمثل أصالة عدم التكرار كما ترى.
قوله تعالى:"فأتياه فقولا إنا رسولا ربك"إلى آخر الآية ، جدد أمرهما بالذهاب إلى فرعون بعد تأمينهما ووعدهما بالحفظ والنصر وبين تمام ما يكلفان به من الرسالة وهو أن يدعوا فرعون إلى الإيمان وإلى رفع اليد عن تعذيب بني إسرائيل وإرسالهم معهما فكلما تحول حال في المحاورة جدد الأمر حسب ما يناسبه وهو قوله أولا لموسى:"اذهب إلى فرعون إنه طغى"، ثم قوله ثانيا لما ذكر أسئلته وأجيب إليها:"اذهب أنت وأخوك""اذهبا إلى فرعون إنه طغى"، ثم قوله لما ذكرا خوفهما وأجيبا بالأمن:"فأتياه فقولا"إلخ ، وفيه تفصيل ما عليهما أن يقولا له.
فقوله:"فأتياه فقولا إنا رسولا ربك"تبليغ أنهما رسولا الله ، وفي قوله بعد:"و السلام على من اتبع الهدى"إلخ ، دعوته إلى بقية أجزاء الإيمان.
وقوله:"فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم"تكليف فرعي متوجه إلى فرعون.
وقوله:"قد جئناك بآية من ربك"استناد إلى حجة تثبت رسالتهما وفي تنكير الآية سكوت عن العدد وإشارة إلى فخامة أمرها وكبر شأنها ووضوح دلالتها.
وقوله:"و السلام على من اتبع الهدى"كالتحية للوداع يشار به إلى تمام الرسالة ويبين به خلاصة ما تتضمنه الدعوة الدينية وهو أن السلامة منبسط على من اتبع الهدى والسعادة لمن اهتدى فلا يصادف في مسير حياته مكروها يكرهه لا في دنيا ولا في عقبى.
وقوله:"إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى"في مقام التعليل لسابقه أي إنما نسلم على المهتدين فحسب لأن الله سبحانه أوحي إلينا أن العذاب وهو خلاف السلام على من كذب بآيات الله - أو بالدعوة الحقة التي هي الهدى - وتولى وأعرض عنها.
وفي سياق الآيتين من الاستهانة بأمر فرعون وبما تزين به من زخارف الدنيا وتظاهر به من الكبر والخيلاء ما لا يخفى ، فقد قيل:"فأتياه"ولم يقل: اذهبا إليه وإتيان الشيء أقرب مساسا به من الذهاب إليه ولم يكن إتيان فرعون وهو ملك مصر وإله القبط بذاك السهل الميسور ، وقيل:"فقولا"ولم يقل: فقولا له كأنه لا يعتني به ، وقيل:"إنا رسولا ربك"و"بآية من ربك"فقرع سمعه مرتين بأن له ربا وهو الذي كان ينادي بقوله:"أنا ربكم الأعلى"، وقيل:"و السلام على من اتبع الهدى"ولم يورد بالخطاب إليه ، ونظيره قوله:"إن العذاب على من كذب وتولى"من غير خطاب.
وهذا كله هو الأنسب تجاه ما يلوح من لحن قوله تعالى:"لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى"من كمال الإحاطة والعزة والقدرة التي لا يقوم لها شيء.
وليس مع ذلك فيما أمرا أن يخاطباه به من قولهما:"إنا رسولا ربك"إلى آخر الآيتين خشونة في الكلام وخروج عن لين القول الذي أمرا به أولا فإن ذلك حق القول الذي لا مناص من قرعه سمع فرعون من غير تملق ولا احتشام وتأثر من ظاهر سلطانه الباطل وعزته الكاذبة.
في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله:"آتيكم منها بقبس"يقول: آتيكم بقبس من النار تصطلون من البرد"أو أجد على النار هدى"كان قد أخطأ الطريق يقول: أو أجد على النار طريقا.