فهرس الكتاب

الصفحة 2893 من 4314

و المراد بقوله:"فقولا له قولا لينا"المنع من أن يكلماه بخشونة وعنف وهو من أوجب آداب الدعوة.

وقوله:"لعله يتذكر أو يخشى"رجاء لتذكره أو خشيته وهو قائم بمقام المحاورة لا به تعالى العالم بما سيكون ، والتذكر مطاوعة التذكير فيكون قبولا والتزاما لما تقتضيه حجة المذكر وإيمانه به والخشية من مقدمات القبول والإيمان فمآل المعنى لعله يؤمن أو يقرب من ذلك فيجيبكم إلى بعض ما تسألانه.

واستدل بعض من يرى قبول إيمان فرعون حين الغرق على إيمانه بالآية استنادا إلى أن"لعل"من الله واجب الوقوع كما نسب إلى ابن عباس وقدماء المفسرين فالآية تدل على تحتم وقوع أحد الأمرين التذكر أو الخشية وهو مدار النجاة.

وفيه أنه ممنوع ولا تدل عسى ولعل في كلامه تعالى إلا على ما يدل عليه في كلام غيره وهو الترجي غير أن معنى الترجي في كلامه لا يقوم به ، تعالى عن الجهل وتقدس وإنما يقوم بالمقام بمعنى أن من وقف هذا الموقف واطلع على أطراف الكلام فهم أن من المرجو أن يقع كذا وكذا وأما في كلام غيره فربما قام الترجي بنفس المتكلم وربما قام بمقام التخاطب.

وقال الإمام الرازي في تفسيره ، إنه لا يعلم سر إرساله تعالى إلى فرعون مع علمه بأنه لا يؤمن إلا الله ، ولا سبيل في المقام وأمثاله إلى غير التسليم وترك الاعتراض.

وهو عجيب فإنه إن كان المراد بسر الإرسال وجه صحة الأمر بالشيء مع العلم باستحالة وقوعه في الخارج فاستحالة وقوع الشيء أو وجوب وقوعه إنما ذلك حال الفعل بالقياس إلى علته التامة التي هي الفاعل وسائر العوامل الخارجة عنه في وجوده والأمر لا يتعلق بالفعل من حيث حاله بالقياس إلى جميع أجزاء علته التامة وإنما يتعلق به من جهة حاله بالقياس إلى الفاعل الذي هو أحد أجزاء علته التامة ونسبة الفعل وعدمه إليه بالإمكان دائما لكونه علة ناقصة لا تستوجب وجود الفعل ولا عدمه فالإرسال والدعوة وكذا الأمر صحيح بالنسبة إلى فرعون لكون الإجابة والائتمار بالنسبة إليه نفسه اختيارية ممكنة وإن كانت بالنسبة إليه مع انضمام سائر العوامل المانعة مستحيلة ممتنعة ، هذا جواب القائلين بالاختيار ، وأما المجبرة - وهو منهم - فالشبهة تسري عندهم إلى جميع موارد التكاليف لعموم الجبر وقد أجابوا عنها على زعمهم بأن التكليف صوري يترتب عليه تمام الحجة وقطع المعذرة.

وإن كان المراد بسر الإرسال مع العلم بأنه لا يؤمن الفائدة المترتبة عليه بحيث يخرج بها عن اللغوية فالدعوة الحقة كما تؤثر أثرها في قوم بتكميلهم في جانب السعادة كذلك تؤثر أثرها في آخرين بتكميل شقائهم ، قال تعالى:"و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا:"الإسراء: 82 ، ولو ألغي التكميل في جانب الشقاء لغا الامتحان فيه فلم تتم الحجة فيه ، ولا انقطع العذر ، ولو لم تتم الحجة في جانب وانتقضت لم تنجع في الجانب الآخر وهو ظاهر.

قوله تعالى:"قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى"الفرط التقدم والمراد به بقرينة مقابلته الطغيان أن يعجل بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار الآية المعجزة ، والمراد بأن يطغى أن يتجاوز حده في ظلمه فيقابل الدعوة بتشديد عذاب بني إسرائيل والاجتراء على ساحة القدس بما كان لا يجترىء عليه قبل الدعوة ونسبة الخوف إليهما لا بأس بها كما تقدم الكلام فيها في تفسير قوله تعالى:"قال خذها ولا تخف".

واستشكل على الآية بأن قوله تعالى في موضع آخر لموسى في جواب سؤاله إشراك أخيه في أمره قال:"سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما": القصص: 35"، يدل على إعطاء الأمن لهما في موقف قبل هذا الموقف لقوله"سنشد عضدك بأخيك"فلا معنى لإظهارهما الخوف بعد ذلك."

وأجيب بأن خوفهما قبل كان على أنفسهما بدليل قول موسى هناك.

"و لهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون": الشعراء - 14 ، والذي في هذه الآية خوف منهما على الدعوة كما تقدم.

على أن من الجائز أن يكون هذا الخوف المحكي في الآية هو خوف موسى قبل في موقف المناجاة وخوف هارون بعد بلوغ الأمر إليه فالتقطا وجمعا معا في هذا المورد ، وقد تقدم احتمال أن يكون قوله:"اذهبا إلى فرعون"إلى آخر الآيات ، حكاية كلامهما في غير موقف واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت